تجلت حدة الأزمة اللبنانية في نمط المشاركة اللبنانية في القمة العربية إذ يشارك لبنان بوفدين احدهما برئاسة رئيس الجمهورية إميل لحود والثاني بقيادة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. ويشارك في الوفد الذي يرأسه السنيورة وزير الاقتصاد سامي حداد إضافة إلى وزير الثقافة وزير الخارجية بالوكالة طارق متري الموجود أصلا في الرياض حيث مثل لبنان في الاجتماع التحضيري الذي عقده الاثنين وزراء الخارجية العرب..
فيما يرافق الرئيس لحود وفد يضم الوزير فوزي صلوخ والوزير يعقوب الصراف وهما وزيران استقالا من منصبيهما في الخارجية والبيئة في منتصف نوفمبر. وكان لحود استبق توجهه إلى المملكة العربية السعودية بملاحظات على «ورقة التضامن مع لبنان» التي ستطرح على القمة.
وأوضح مصدر رسمي أن لحود أرسل مساء الأحد إلى الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى ملاحظات خطية على هذه الورقة تتعلق خصوصا بـ «إلغاء كلمة حكومة من النص حيث ما وردت واستبدالها بكلمة دولة وإلغاء بند يتعلق بدعم النقاط السبع» التي طرحتها الحكومة خلال الحرب الإسرائيلية الصيف الماضي على لبنان في إطار مسعاها للتوصل إلى وقف هذه الحرب.
وأكد السنيورة انه يتمنى أن يتم الاتفاق على تمثيل لبنان في القمة العربية بوفد موحد ولو في الثانية الأخيرة قبل القمة، نافيا وجود أي اتصال بينه وبين لحود حول هذا الموضوع. وقال السنيورة في لقاء بممثلي الصحف السعودية في بيروت إنه «يجب أن نتوصل إلى توافق وإلا سنذهب بوفدين»،
وأضاف أن «الدستور لم ينط برئيس الجمهورية صلاحية أن يصنف الحكومة شرعية أو غير شرعية فالمجلس النيابي هو صاحب الصلاحية وبالتالي الحكومة تتمتع بثقة المجلس ثم إن لديها أكثرية بين اللبنانيين ولا يعني ذلك أن من يعارض الحكومة هم قلة. كما أن الحكومة تتمتع بتأييد عربي ودولي».
وأوضح أنه يريد «أن نرتفع بالكلام بعيدا عن المسائل اللبنانية الضيقة إلى القضايا العربية الرحبة لأننا أمام مرحلة مصيرية تتطلب العودة إلى المسائل الأساسية». وقال: «نحن نذهب إلى القمة بتفاؤل ليس فقط للمساعدة على معالجة قضايا لبنان بل للمساعدة في النظر في كثير من المسائل التي تهم الشعب العربي ولها تداعيات وامتدادات في لبنان وفلسطين والعراق والمبادرة العربية للسلام»، وتابع أن لبنان لا يزال لديه أرض محتلة يجب أن تكون خاضعة للقرار 425.
وتعيد قمة الرياض التي يشارك فيها اللبنانيون للمرة الثانية منقسمين أبناء الوطن إلى الثمانينات إبان الحرب الأهلية حيث كان الانقسام على أشده ووصل إلى حد تشكيل حكومتين منفصلتين أدارتا البلاد وسط حال من الفرقة والتشنج.
ويُظهر اللبنانيون استياء واضحا من ممارسات قادتهم الكيدية وخطاباتهم المتأججة، ويعكس الشارع المحلي التذمر الأهلي من حكام أصروا في الماضي ويصرون مرة جديدة على تفويت فرص الحل كما يقول الأكاديمي والكاتب زياد توبة، الذي يعتبر أن تضييع فرص المعالجات يعكس عدم رغبة المسؤولين في إنقاذ البلاد في وقت يتعلق فيه المواطن بكل قشة وفكرة ومبادرة،
وقال صحيح ان القمة ليست دائرة قرار بل هي دائرة تنفيذ وتسويغ لقرارات تصوغها توازنات دولية على مستوى العالم، لكننا كلبنانيين لا خيار أمامنا إلا المراهنة عليها وعلى غيرها من المبادرات لأننا وببساطة لا نريد عودة الحرب الأهلية مرة ثانية ولا نريد في الوقت نفسه أن تقفل الأزمة على توازنات وصيغ تضعنا عند كل انتكاسة ومأزق إقليمي ومحلي ودولي على أبواب حرب جديدة،
معتبرا أن أخطر ما في الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم هو تكرار تجارب الانقسام الخطيرة وكأننا نعيش في دولتين منفصلتين بكل معنى الكلمة، لكل فريق سياساته الخاصة ولجانه التمثيلية تجاه الخارج ولكل مؤسساته ومربعاته الأمنية وإجراءاته التسليحية والتدريبية، أي أن مكنونات الدولة تتوفر لدى كل فريق ينقصها فقط خطوة الإعلان الرسمي عن هذه الدولة، معتبرا أن قمة الرياض هي تتويج واضح للانقسام الذي ستشهد دول الأمة كلها مفاعيله في أروقة المملكة العربية.
وإذا كان لبنانيو الداخل ملوا المهاترات والانهيارات المتلاحقة، فلبنانيو الاغتراب سئموا المراهنة على بلد متداع وسياسيين نفعيين على حد قول المغترب علي بارود الذي اعتبر أن غابات أفريقيا أفضل من ربوع لبنان لأنه حتى في الغابات هناك شرائع وقوانين أما في لبنان فكل الجماعات تجاوزت القوانين والمؤسسات والكل يقفز فوق الدولة ومؤسساتها الدستورية وغير الدستورية،
واعتبر أن المغتربين يعيبون على مسؤوليهم ممارساتهم التي لا تصب في مصلحة بلادهم وقد يئس معظمنا في دول الاغتراب من حال البلاد وكأنه لا تكفينا مآسي الغربة ومشقاتها ونحن الذين فقدنا أوطاننا مرتين مرة في البعد والهجرة ومرة في الحروب المتتالية التي لم تهدأ على أرضنا،
معتبرا أنه كان بالأحرى أن يلتقط المسؤولون فرصة انعقاد القمة ويذهبوا موحدين مجتمعين لا سيما وأن بوادر الاتفاق قد لاحت من خلال لقاءات بري الحريري التي فتحت باب الأمل الموصد بعودة الأوضاع إلى حالها من الوفاق والاتفاق.
وتستغرب لينا مكي الطالبة الجامعية حال الهدوء لدى زملائها بعد أن كانت المشاحنات سيدة الحوارات الجامعية طيلة الفترة الماضية، وتقول لقد وصلنا إلى مرحلة حاسمة في حياة البلد السياسية، نحن جيل عشنا الحروب وخلافات المسؤولين وعانينا منذ بدايات السلم الأهلي من وطأة الأزمات الاقتصادية واحتلال إسرائيل، تحملنا كل ذلك وقدمنا كل التضحيات لكننا اليوم لم نعد قادرين ولا نريد أصلا تحمل المزيد..
راهنّا طيلة الأيام الفائتة على القمة العربية التي تراءت بالنسبة لنا وكأنها قمة الطائف التي أعادت وصل ما انقطع بين ابناء الوطن الواحد، «لكننا فوجئنا بالتصعيد الذي سبق القمة وبنوايا الشر والعنف التي تجاوزت المساعي الخيرة، إنهم يدفعوننا بالقوة نحو اليأس والحضيض ولم يكتفوا بنشر خلافاتهم على سطوح كل لبنان وفضائيات العرب فقرروا أخيرا حمل ما خف وثقل إلى الرياض ليجتروا مشاكلهم ويعززوا انقسامهم ويسودوا وجوهنا وحياتنا ومستقبلنا».
مشاريع دعم لحكومة لبنان
أمام القمة عدد من مشاريع القرارات التي تنص على دعم الحكومة اللبنانية ودعوة اللبنانيين إلى الحوار من أجل حل الأزمة السياسية في بلدهم. وتنص مشاريع القرارات على «تأكيد التضامن العربي الكامل مع لبنان وتوفير الدعم السياسي والاقتصادي للحكومة اللبنانية بما يحفظ الوحدة الوطنية اللبنانية وأمن واستقرار لبنان وسيادته على كامل أراضيه»، فضلاً عن «دعم وتبني خطة النقاط السبع التي تقدمت بها الحكومة اللبنانية» إبان الحرب الإسرائيلية في لبنان الصيف الماضي.
تنص خطة النقاط السبع على تبادل الأسرى اللبنانيين والإسرائيليين، والتزام مجلس الأمن بوضع منطقة مزارع شبعا تحت ولاية الأمم المتحدة إضافة إلى بسط الحكومة سلطتها على الأراضي اللبنانية بقواتها الذاتية، وقيام الأمم المتحدة باتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق اتفاقية الهدنة الموقعة بين لبنان وإسرائيل عام 1949.
وجاء أيضاً في نصوص مشاريع القرارات أنه «في إطار التوافق اللبناني على مبدأ إقامة محكمة ذات طابع دولي، التأكيد على أن الكشف عن الحقيقة... في الجرائم التي ارتكبت في لبنان وخاصة رئيس الوزراء اللبناني (رفيق الحريري) في إطار توافق اللبنانيين على نظام هذه المحكمة ..
يساهم في إحقاق العدالة وتعزيز إيمان اللبنانيين بالحرية في بلدهم». كما جاء أيضاً في مشاريع القرارات أن القادة يدعون «جميع الفئات والقوى اللبنانية إلى الحوار الوطني على أساس الجوامع بين اللبنانيين.. والى بذل كل الجهود للوصول إلى حل الأزمة السياسية الراهنة والاضطرابات والانقسامات.. والالتزام بالدستور اللبناني واتفاق الطائف».
بيروت، الرياض ـ ثناء عطوي والوكالات:

