بين القديم وعبقه، والحديث وإمكاناته، يدور نقاش وجدال بين أنصار كل طرف، ليشمل جميع مناحي الحياة، بدءا بالفلسفة والاجتماع، ومرورا بالثقافة والعلوم، وانتهاء بالاقتصاد والصناعة. ورغم التقدم العلمي الهائل، والثروة التكنولوجية الكبيرة التي يشهدها عالم اليوم، فان تنحية الماضي جانبا، تبدو لدى الكثيرين أمرا صعبا.

وفي هذا السياق يمكن رصد صناعة الرداء التي اشتغل بها معظم الأجداد في ليبيا ردحا من الزمن، والتي وصل ثمن بعضها الآن إلى نحو 1500 دينار، لكن الأطرف هو أسماؤها التي تشير في غالبتها إلى مضامين تاريخية وحربية وتكنولوجية، مثل «خط بارليف» و«ابوللو».

فالنول هو أداة حرفية اشتغل بها الأجداد والآباء والأبناء في المدن الليبية، لصنع الملابس النسائية في البيت الليبي، حيث أتت المصانع الحديثة بما احتوته من آلة عصرية لتأخذ من مكانتها في العاصمة طرابلس، لكنها مازالت تحتفظ بمكانتها حتى اليوم في باقي المدن والقرى الليبية.

فالمرأة الليبية في تلك القرى مازالت تعتمد بالدرجة الأولى في زيها على الرداء مهما نالت من تعليم، وتحرص على ارتدائه في المنزل حتى في وجود أبيها وأخواتها الرجال، عكس الحال في المدن الرئيسية الآن، وتحرص على متابعة آخر صيحات الموضة الغربية بعد أن نحت الرداء التقليدي جانبا.

يقول الحاج محمد إبراهيم الوحيشى (70 سنة)، وصاحب (نول) وورث المهنة عن أبيه وخاله وجده، انه كان يذهب إلى المدرسة وعمره 6 سنوات ويعود إلى محل خاله، حيث تعلم الصنعة على يديه، موضحا أن والده وجده كانا (حوكيان) أي نساجان يعملان على النول.

وعن صناعة النول يقول الوحيشى إنها قديمة جدا وتعود لآلاف السنين في ليبيا، مشيرا إلى النول لم يحدث عليه أي تطوير منذ القدم إلا في أضيق الحدود، لأنه كان يستخدم في الماضي لصناعة الصوف فقط أما الآن فانه يستخدم في العديد من الأقمشة مثل القطن والكتان، والحرير، وخيوط الفضة.

وعن المدة التي تستغرقها صناعة الرداء يقول الحاج الوحيشى إن الرداء يختلف في المدة نظرا لنوع الخيط والقماش الذي يستخدم في صناعته، فهناك رداء تستغرق صناعته 5 أيام، وهناك من يستغرق يوم واحد فمثلا الرداء الحرير الذي تستخدم خيوطه من الفضة النقية عيار 990 وهى رفيعة جدا يستغرق وقتا أطول في الصنعة أما الأقمشة العادية فان الرداء يستغرق يوما واحدا ويكون طوله 5 ,4 أمتار وعرضه 5,1 متر.

أفضل أنواع الأردية هذه يدعى «الحصيرة» ويتكون من خيوط الفضة الخالصة والحرير الطبيعي وهو غالى الثمن ويستخدم في الأعراس ويصل سعره إلى نحو 1500 دينار. والنوع الثاني يسمى «قناة السويس» وهي أقل من ناحية الفضة ولكنه حرير خالص واقل في الثمن من النوع الأول. وهناك أنواع أخرى مثل «خط بارليف» و«أبوللو»، كما توجد مسميات كثيرة ارتبطت بالأحداث الجارية وهي ذات تصميمات مختلفة ومتعارف عليها لدى الصناع.

طرابلس ـ سعيد فرحات