في صباح عراقي أصبح مألوفا، توجه خالد ابن الأحد عشر ربيعا إلى مدرسته الواقعة خلف بيته وسط العاصمة بغداد، ومع نهاية الدرس الأول، ودون سابق إنذار هزت المدرسة عدة انفجارات مرعبة، خطفت البراءة من عيون الأطفال. كان المنظر مريعا مع رؤية شظايا الزجاج وهو يخترق الأجساد الغضة.. خالد كغيره من الأطفال اختبأوا تحت أدراجهم ورحلاتهم الصغيرة. وقع جزء من السقف وسقطت المروحة، واندثرت تحت الركام الدفاتر.. أقلام الصغار.. السبورة، وأحلام لم تكتمل بعد... كلها تبخرت مع غبار الانفجار، ولم يبق سوى خالد وصديقه الذي قطعت يده.
المأساة التي مرت بحياة هذا الطفل العراقي تستمر حتى هذه اللحظة، فالبشاعة التي رآها تركت من الآثار ما جعله يعاني الكثير، وبالتأكيد هو لم يكن الوحيد.. فيوميا هناك عشرات الأطفال في العراق يعانون مثل هذه التجربة القاسية، فكانوا مع أهلهم من دفعوا بكثير من الألم فاتورة الحرب التي لم تنته.
قبل عشرة أيام من اليوم (أمس)، ضرب مدفع هاون مجموعة طلاب صغار عند خروجهم من مدرستهم الواقعة في (حي الكرادة) وسط بغداد.. الطفلة ندى ذات الاثنى عشر عاما تعرضت بسببه إلى حروق بالغة جعلتها تبكي طيلة الليل.
تقول ندى لوكالة أنباء «أصوات العراق» المستقلة «شعرت بخوف شديد.. كنت أريد أمي، ولم أفكر حينها إلا في أني لن أراها ثانية».
تغرق عينا الطفلة بالدموع.. ثم تنظر إلى الفراغ المجهول، أما أمها السيدة أميرة الجنابي فتقول: «حين سمعنا أصوات الانفجار المرعبة، هرعت مع أهالي المنطقة إلى المدرسة.. خاصة بعد أن انتشر الخبر بوقوع ضحايا بين التلاميذ.. لم أعرف ماذا أفعل». وتضيف: «كان المشهد مرعبا لدرجة لا يمكن تصورها،الدماء اختلطت بالكتب والكراريس الدراسية.. وتناثر كل شيء على أسفلت الشارع».
«لم تتوقف الحرب منذ مارس (2003)، فنحن نعيش مأساتها مرغمين حتى هذه اللحظة». هذا ما تقوله والدة طفل آخر تعمل معلمة في مدرسة بحي العامل) غربي بغداد، وتضيف: «هذه المنطقة من المناطق الساخنة، خاصة في الأشهر الأخيرة، حتى إننا في أيام كثيرة كنا نعزف عن الدوام.. فلا أحد يعلم ما تضمره اللحظات القادمة».
وتكمل السيدة حديثها «كنا نحضر الدروس وفي كل لحظة نتوقع الأسوأ.. أغلب الأهالي كانوا يشعرون بالخوف على أولادهم، خاصة بعد وقوع الكثير من الحوادث المؤلمة، لذا كان الدرس أشبه بحرب نفسية نخوضها ضد عدو مجهول يتصيد بنا».
سعدية محمد، معلمة في إحدى المدارس الواقعة في ضواحي بغداد، تقول: «هناك نسبة كبيرة من الطلبة يعانون التردد» وتضيف: «في ساحة المدرسة أو في الصف يتصرف بعض من الطلاب بعدائية واضحة، واللعبة المفضلة لديهم هي لعبة غريبة تفاجأت بها.. ففي إحدى المرات وفي الساحة الخلفية من المدرسة اجتمع عدد من الطلبه، كانوا يغطون وجوههم بمناديل صغيرة فلا تظهر سوى أعينهم.. اجتمعوا حول طفل آخر بعد أن قيدوه..
وفي نهاية اللعبة يصدرون الحكم عليه بالذبح، وبالفعل يأخذون قطعة من الخشب على شكل سكين ويتظاهرون بذبحه» تضحك بازدراء وتضيف «لقد اختلفت أشياء كثيرة في قاموس هؤلاء الصبية». الباحثة الاجتماعية سمر ناجي تعمل في إحدى المدارس المتوسطة للبنين. تقول إنها لا تزاول عملها داخل المدرسة، والسبب في ذلك أن «درس التوعية الاجتماعية غير مهم داخل العراق بالرغم من أننا أكثر من يحتاج إليه» .
وعن الكثير من المظاهر تتحدث «هناك من قال إن الحرب تبدأ عندما تسكت فوهات البنادق فما بالنا نحن العراقيين.. نحن في حرب لا نعلم متى تنتهي.. فهناك جيل عريض من جيل الحروب.. الأولاد في المدرسة يحبون العنف ويرون أن الحروب هي الحل المثالي لحل الأزمات».
وتقول: «لم أتفاجأ حين رأيت أن هناك بين الأولاد من يعاني التبول غير الإرادي برغم أن أعمارهم تتجاوز السادسة أو السابعة. كما ان هناك الكثير من مشاهد الدمار والقتل التي تمر في رأس الطفل سواء كان قد رآها في الحقيقة أو التلفاز». وتختم بقولها: «واليوم يتعرض أطفال العراق إلى حالات الإعاقة وغياب المعيل وتشتت الأسرة والسبب في كل ذلك هو كابوس لا يريد أن ينتهي إنه كابوس الحرب».