«عرب نحنا انخلقنا نكون أسرة.. وبفلسطين شعب العرب أسرى.. البلاد اللي لها العدنان أسرى أمانة معلقة بصدر العرب».. هذا بيت قصيد من فن «العتابا» الفلسطينية قائله رائد الفن الشعبي الفلسطيني، فمثلما هناك في أرض الرباط للحجارة أبطال، تزخر مدن وقرى ومخيمات فلسطين بأبطال للكلمة.. ظفرت «البيان» بأحدهم ليمتعنا بنسج خيوط قضية أزلية من روح الكلمة الشعبية.
هو علم على رأسه نار، هناك على الأقل في فلسطين وبين زقاق الشتات يشمخ بانتمائه اللامحدود، لا يجهله صغير أو كبير، وأينما حلًّ تلقفته الجماهير بقلوبها الضاحكة طرباً على لحن الوطن والبقاء، لأنه تراث شعب ظل يرفض على مر العصور كل لغات الوفود الطامعة بقدسية وعروبة فلسطين.
أنا أعرفه جيداً ومثلي أيضاً كل من يحمل من فلسطين «بطاقة إثبات»، ففي كل مخيم وقرية ومدينة فلسطينية بصماته راسخة، لأنه شاعر فلسطين الذي آثر الانغماس في تراثه الحنون، فازداد الإصرار لديه كون المعادلة واحدة.. أكون أو لا أكون، اسمه الحقيقي والفني: موسى حافظ أبو لبدة، عميد الفن الشعبي الفلسطيني.
في مخيم جنين، شمال الضفة الغربية، ولد وتعرف على فلسطينيته، في أحضان عائلة تتعلق بالفن والتراث، ومن أجل فرحة فلسطينية تحت مظلة حفل زفاف جاهد فنان فلسطين موسى ومعه شقيقه الشاعر جهاد، لتلبية دعوة أبناء وطنه من آل العطاطرة وانتقل من مخيم جنين إلى دبي حاملاً معه أمسيات حنين معدودة.
«البيان» التقته في أمسية حوارية لم تغادر أجواءها ألوان الفن الفلسطيني موسى حافظ (أبوالحافظ)، يبلغ من العمر50 عاماً، أمضى منها أكثر من 32 سابحاً في بحور الفن والتراث، هُجِّرت عائلته من بلدة السنديانة قضاء حيفا ولجأت في العام 1948 إلى مخيم جنين،
فهو شاعر شعبي له من العلم والمعرفة في تفاصيل فنون فلسطين التاريخية الكثير، اختار دراسة التاريخ في جامعة بغداد، أما زملاؤه في المهنة فيعتبرونه مدرسةً فنيةً متكاملةً، حيث تألق في ابتكار ألوانٍ شعرية خاصة به أسماها «موسويات».
طموحٌ وفنٌّ مطمور
في البداية قال موسى: أطمح كشاعر فلسطيني يحمل في جعبته تأريخاً موثقاً من الفن الشعبي التراثي بنقل هذا الفن إلى مختلف أقطار العالم العربي، وبأن يكون الفنان الفلسطيني «المطمور» تحت عنفوان الاحتلال وانعدام الدعم الفلسطيني أو العربي، عنواناً للكلمة الصادقة والمبدعة.
وتمنى على الفضائيات العربية أن تتيح المجال لأصحاب هذا الفن في فلسطين، وأن تبادر في البحث عن المبدعين منهم في وقت عجز فيه واقع بلدهم عن القيام بهذا الدور، فمن المحزن أن يَسلِبَ عدونا الفن والتراث كما يغتصب تراب الوطن الجريح، وما ارتداء المضيفات اليهوديات في طيران «العال» الإسرائيلية للزي التراثي الفلسطيني، إلا دليل على هذا التخوف، مثلما هو الحال مع الأكلات الشعبية الفلسطينية والفخاريات وشجرة الزيتون الباكية في أحضان لصوص إسرائيل.
قبل فترة وجيزة حاول موسى أن يتواصل مع برنامج شاعر المليون الذي يعرض على قناة أبوظبي ولم يحالفه الحظ، وبقيت أمنيته بأن يتمكن في مرحلة لاحقة من نقل أشعاره إلى العالم من خلال هذه الوسيلة، بالإضافة إلى الوسائل الأخرى المتاحة له ومنها موقعه الإلكتروني المفعم بحب فلسطين، وهو: www.mousa-h.com.
أكاديمي متخصص
موسى الأكاديمي المتخصص الذي ألَّف كتابين في الفن الشعبي الفلسطيني عنوانيهما «الزجل الشعبي» و«العتابا»، ويعكف حالياً على إنهاء ثالث بجهود ذاتية وبتمويل شخصي، يضيف: الفلسطيني معروف بامتلاكه لفن الكلمة، فقبل 12 ألف عام، كان أول شاعر يغني للآلهة فلسطينياً، واسمه «إقهت»، وغنى للإله «بعل» إله الكنعانيين طالباً منه أن ينزل المطر وينبت الزرع، وبقيت فلسطين إلى يومنا هذا حاضنة مجهولة للفن العربي.
وتابع: صفة الفن الفلسطيني أنه شامل، وهو الشعر الميداني الوحيد الذي يشترك فيه الجمهور، من خلال جمع يقف خلف قائد اسمه شاعر شعبي، فهو شعر المشاركة الجماعية، وتنقسم فنونه إلى مجالات عدة، عمودها الفقاري «العتابا»، ومنها: المحبوكة والمقلوبة وبدون نقاط.
ألوان الشعر
وأكد الشاعر أبوالحافظ أن فنون الشعر الفلسطيني تتسع في 35 نوعاً مختصاً، حيث عدد ألواناً شعرية أخرى منها النبطي والقروي والمدني، إضافة شعر «الشروقي» الذي يأتي تحته القصيدي والهجيني والأهازيج المغناة والحداء، وبعد هذا يأتي فن «المعنًّى» الذي يندرج تحته الزجل بكل أنواعه، وهو ما تشتهر فيه فلسطين ولبنان.
علاوة على ذلك هنالك في فلسطين لون شعبي آخر وهو «القرادي»، وهو الشعر والغناء والرقص معاً. إلى جانب ألوان أخرى مثل: «الجوفية» ومنها التشييخ والمحاربة، وتلك مسميات للكلام الخارج من الجوف بقوة، فالتشييخ يكون في مدح شخصية معينة بصوت عالٍ وجهوري،
والمحاربة أو النداء للحرب هو غناء الرجولة أو «العنترية»، إضافة إلى ذلك يوجد فن منتشر بقوة اسمه «الفرعاوي» أو الميدان الفلسطيني، ويكون في مشهد حلقة من الجمهور المشارك في الحفل، يرددون خلف الشاعر مطلع بيت الشعر الأول، وهذا اللون له أوزان عديدة.
عرب 48
الشعر الشعبي لا يقتصر عند موسى على أهل فلسطين ضمن الحدود المسموح فيها إسرائيلياً المعروفة بالـ 67,، بل تعدى ذلك ليعشقه أكثر من مليون فلسطيني لا يزالون صامدين في ما يسمى مناطق الـ 48، وعن هذا قال: «أغني في كل فلسطين من شمالها إلى جنوبها، وفي مختلف الحفلات والأعراس التي يقيمها أبناء فلسطين المجبرين على العيش تحت مسمى إسرائيل، ظل صوتي حاضراً على مدى عشرات السنوات».
وأضاف: «تمكنت وبدرجة كبيرة من إحياء التراث في عقول وقلوب فلسطينيين كادت تسرقهم مخططات التهويد، وهو ما دفع أحد كبار المثقفين اليهود إلى القول علانية أن الشاعر موسى حافظ دمر العديد من مخططات تهويد العرب في إسرائيل من خلال الشعر و«الشبابة» و«المجوز» و«اليرغول» و«الربابة».
احتلال وقتل وهدم بيوت
في معركة مخيم جنين في أبريل من العام 2002 تمادت آلة الحرب الإسرائيلية لتطال بيت موسى فتدمره، وتقتل حصانه الأصيل، بعد ذلك تبرع المغفور له الشيخ زايد آل نهيان بإعادة بناء البيوت المهدمة في المخيم، وكان بيت شاعر فلسطين واحداً منها.
عندها تحفز موسى حافظ لرد شيء من الجميل إلى المغفور له الشيخ زايد وأعلن على الملأ أن الفرس الأصيلة الوحيدة التي لم تطلها آلة الحرب الإسرائيلية، سيقدمها هدية إلى الشيخ زايد امتناناً لمكرمته السخية، وهي واحدة من «الكحايل» الأصيلة، وسباقة حاصلة على 13 كأساً في السباق، ولكن القدر قال كلمته فرحل زايد قبل أن تصله أمانة أهل جنين، وإلى اليوم جميع سكان المخيم والمنطقة المجاورة ينعتون فرسه بـ «فرس الشيخ زايد».
دبي ـ عنان كتانة
