يتوجه الناخبون الموريتانيون اليوم إلى صناديق الاقتراع، في انتخابات رئاسية هي الأولى من نوعها في تاريخ البلاد، حيث يقف الرئيس الحاكم خارج المنافسة ليسلم السلطة طواعية إلى من يختاره الناخبون، وحيث تأخذ السلطات الحكومية موقف الحياد الايجابي، تاركة للناخبين حرية اختيار من يرونه مناسباً لشغل منصب الرئاسة للسنوات الخمس المقبلة. ويستبعد المراقبون حصول أحد المترشحين (19 مترشحاً) على الأغلبية المطلقة في الشوط الأول، ما يحتم إجراء شوط آخر بعد أسبوعين بين صاحبي أعلى نسبتين من الأصوات.
ويمكن تقسيم المترشحين إلى ثلاث مجموعات. الأولى، التي يرجح أن يكون من بينها الرئيس، تضم مرشحين لديهم حضور شعبي وتاريخ سياسي ومهني معروف. بينما تضم الثانية مرشحين معروفين أيضاً وبعضهم يحظى بالاحترام، لكنهم يتوزعون بين من تنقصه الخبرة السياسية الكافية ومن يفتقر إلى قاعدة شعبية مؤثرة. أما المجموعة الثالثة فيندرج فيها مرشحو الظل الذين ليس لهم ماض سياسي معروف ولا قاعدة شعبية واضحة، وينظر إليهم باعتبارهم ملح الانتخابات الذي يمنحها نكهة إضافية قد تزيد شهية الناخبين، لكنها على الأرجح لن تؤثر في توجهاتهم وقناعاتهم.
فالانتخابات الموريتانية تحكمها عوامل أساسية، هي التي ترجح كفة مرشح على آخر وتدفعه نحو المقدمة، ويمكن تلخيصها في: الانتماءات القبلية والجهوية، في مجتمع قبلي ما زال فيه لرب الأسرة وشيخ القبيلة دور مؤثر. ومدى قدرة المترشح على إقامة التحالفات السياسية، ومراعاة الاعتبارات القبلية والجهوية والتأثير على ذوي النفوذ السياسي أو الاجتماعي.
إضافة إلى الماضي السياسي والمهني للمترشح ومدى معرفة الناخبين لذلك. فبعض المترشحين يمتلك سجلاً مهنياً ومعرفياً جيداً، لكنهم غير معروفين شعبياً، خاصة من جيل الشباب الذي يمثل نسبة مرتفعة في لوائح الناخبين.
وكذا الإمكانيات المادية التي تمكن المترشح من الوصول إلى مختلف المناطق والشرائح الشعبية، في بلد قليل السكان مترامي الأطراف، وما زالت وسائل الإعلام فيه محدودة التأثير كمًّا ونوعاً.
وحياد السلطة، على المستوى المركزي وعلى مستوى الإدارات التنفيذية والجهوية. ومع أن السلطات الحالية أكدت حيادها التام وأثبتت ذلك بالفعل في الانتخابات النيابية والبلدية الأخيرة، إلا أن التخلص كلياً من رواسب الماضي ربما يحتاج وقتاً أطول.يضاف إلى ذلك تقلب الواقع السياسي، وضبابية الحدود الفاصلة بين المترشحين، مع عمومية برامجهم وتشابه وعودهم، ما يجعل شخصية المترشح تلعب دوراً محورياً لدى كثير من الناخبين.
لذلك كله، ولكون هذه الانتخابات غير مسبوقة بما يمكن القياس عليه، فإن بناء توقعات وافتراضات أقرب للدقة والموضوعية يصبح مهمة صعبة لا تخلو من مغامرة. ومن خلال المعطيات الراهنة، واستناداً إلى العوامل سالفة الذكر، يبدو أن المرشحين الأقرب لتجاوز الشوط الأول وصولاً إلى النهائي، هما أحمد ولد داداه رئيس تكتل القوى الديمقراطية والمرشح المستقل سيدي ولد الشيخ عبدالله. فالأول خبير اقتصادي وله سجل حافل في مقارعة حكم الرئيس السابق ولد الطايع.
وهو معروف شعبياً وسبق له أن ترشح للرئاسة مرتين عام 1992 و2003. لكن ما تعرض له حزبه خلال السنوات الماضية من قمع سياسي وحصار اقتصادي، أبعد عنه بعض كوادره وأثر في مدى الالتفاف الشعبي حوله. ورغم ذلك ما زال يمتلك رصيداً شعبياً مهماً، ويحظى بتأييد العديد من المرجعيات الدينية والاجتماعية، كما أن بعض مناصريه السابقين عادوا إليه مؤخراً بعد إعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد.
أما المرشح سيدي ولد الشيخ عبدالله، فهو وزير سابق في عهد الرئيس الراحل مختار ولد داداه، كما عمل وزيراً في السنوات الأولى من حكم ولد الطايع، وله خبرة إدارية واقتصادية طويلة، إلا أن ابتعاده سياسياً قرابة عقدين من الزمن يمكن أن يشكل حاجزاً بينه وبين قطاعات شعبية لا تعرف عنه الكثير. لكنه يحظى بدعم كتلة سياسية مؤثرة، تضم مناصري الرئيس السابق الذين لا يريدون بأي حال وصول أحد قادة المعارضة السابقة إلى الرئاسة، كما تضم أحزاباً وقوى سياسية أخرى، إضافة إلى بعض رجال الأعمال وأصحاب النفوذ.
كتب عبدالله إسحاق