شطبت الحكومة الأردنية معتقل وسجن «الجفر» من سجل الحاضر واحتفلت بإغلاقه، لترفع بذلك من ذاكرة النخبة السياسية والثقافية تلالاً من كوابيس وهواجس ارتبطت بذلك السجن سيء الذكر.لم يكن يعلم الشبان الثلاثة التابعين لجهاز الأمن العلم الأردني أن بإزالتهم «يافطة» كانت تشير إلى موقع المعتقل الذي يقع على بعد 280 كم جنوب العاصمة عمان، ويبعد أقرب طريق معبد نحو الـ 40 كم أنهم يسدلون ستاراً على سجل سيء لهذا السجن.

وعندما دعانا وزير الداخلية الأردني عيد الفايز لمرافقته كصحفيين من أجل الاحتفال رسمياً والتأريخ بإزالة معتقل «الجفر» عن الوجود، كنا وقتها محمّلين بذاكرة جمعية أو ربما برهبة جماعية لسجن كَتَبَ عنه سياسيو الأردن القدامى، وتحديداً من اليساريين والقوميين كتباً كثيرة، مؤرخين بذلك لسيرة ذاتية أُعتبرت الأقسى.

لا أحد يعرف بالضبط متى أنشئ مبنى معتقل الجفر ولكنه بالتأكيد يعود إلى ما قبل القرن الماضي بقليل عندما بناه العثمانيون ثم جدده الانتداب البريطاني، واستخدمه كإسطبل للخيول والإبل، ثم استخدمته السلطات الأردنية منذ العام 1953 سجناً،

وسط صحراء قاحلة لا تستطيع العيش فيها سوى الأفاعي والعقارب، تلك التي اشتكى منها النائب الأردني الدكتور محمد أبو فارس الذي اعتقل مع رفاقه الثلاثة منتصف العام الماضي في القضية التي عرفت بنواب التعزية، مسجلاً ورفاقه أنهم كانوا أشهر آخر المعتقلين السياسيين الذين اعتقلوا في «الجفر».

وإذا كان هناك من متطلبات إجبارية لتصبح مشهوراً في حقول الفن أو الأدب وغير ذلك، فإن المتطلب الإجباري الوحيد أو شهادة المعارضة الوحيدة التي كان سيطلب منك امتلاكها لتصبح معارضاَ يشار له بالبنان في فترة ما قبل الديمقراطية في الأردن أن تسجن فقط في «الجفر»، فهو شهادة معارضة حقيقية وجادة لا ترد في الأردن ولا يمكن النيل منها.

ولهذا فقد دأب الأردنيون عندما يريدون وصف فلان بأنه كان معارضاً جسوراً في عهد الأحكام العرفية بالإشارة إلى أنه «أُستضيف في الجفر».وقد أعلن وزير الداخلية بأن هذا السجن «أصبح في ذمة الله» وصفق جميع الحضور، إلا أن هذا الحدث شكل حالة استفزت ذاكرة الشيوعيين الأردنيين القدامى الذين اعتقلوا فيه لسنوات طويلة.

اليوم لم يعد هناك «جفر» لهذا سمح لكاميرات الصحافيين بالدخول للمرة الأولى إلى المعتقل منذ 1953، واليوم أيضاً شكل الحدث مناسبة ليستذكر بعض رسميي الأردن اليوم بأنهم كانوا نزلاء فيه، ومنهم وزير الداخلية الأسبق سمير الحباشنة الذي جعل يستذكر المهجع الذي يقبع فيه أيام كان معارضاً في فترة السبعينات.

ويضم المعتقل عشر زنازين في كل واحدة من هذه الزنازين التي تبلغ مساحتها 6 أمتار مرحاضا واحدا، وصابونة واحدة، فيما يوجد ملعب كرة طائرة.ومن النوادر التي دأب الأردنيون على استذكارها عن السجن كثيرة إلا أن أشهرها تلك التي تشير إلى أن القائمين على «الجفر» كانوا يرسمون على الجدران سلالم ويجبرون السجناء على صعودها.

تطوف في المكان، هنا حائط حجري محفور عليه عدد كبير من أسماء السجناء وتواريخ اعتقالهم، هذا فلان أرخ اعتقاله في العام 1971 وذاك في العام 1968 وآخر وآخر.وكانت أولى المطالبات التي أصغت لها الدوائر الرسمية في الأردن بإغلاق الجفر للمركز الوطني لحقوق الإنسان الذي حث الحكومة في العام 2005 بإغلاقه لأنه «يشكل خرقاً لحقوق المسجونين الذين يحتاجون إلى البقاء على اتصال مع أهلهم ومحاميهم ولسوء الأوضاع الإنسانية فيه».

وفيما رحب السجناء السياسيين الذين قضوا في «الجفر» ربيع عمرهم بتوجيه الملك عبدالله الثاني بإغلاقه، تباينت آراؤهم حول مصيره، فقد جاء التوجيه بتحويله إلى مدرسة مهنية، إلا أن بعض سياسيي الأردن طالبوا بالإبقاء عليه فارغاً ليظل شاهداً على ذاكرة يرفضها الشعب، إلا أن الشيوعي الدكتور سامي النحاس الذي نزل فيه مدة ثماني سنوات طالب بتحويله إلى متحف للحياة الحزبية المعارضة.

عمان ـ لقمان اسكندر