في قلب مدينة القاهرة أو وسط البلد، كما يسميها المصريون يجتمع عشاق الفن الجميل حول مقهى شعبي يحمل اسم «كوكب الشرق» مكون من ثلاثة أدوار لسماع أغنيات الراحلة أم كلثوم. اكتسب هذا المكان شهرته في الخمسينات- واعتبره الملايين من عشاق « الست» أو «سومة» كما كان يناديها خلصاؤها، مزارا ذا طبيعة خاصة، ليس باعتباره مقهى يقدم المشروبات،

لكن كونه مقهى متخصصا في تقديم أغنيات الزمن الجميل، بالأخص أم كلثوم من خلال ثلاث وصلات متتالية تبدأ السابعة مساء وتنتهي مع بزوغ فجر يوم جديد. كان هذا المقهى ملتقى الأدباء والفنانين والسياسيين وكبار رجالات الدولة والإعلام، زاره الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين.

والمقهى هو المكان الوحيد الذي احتفظ بذكرى أم كلثوم حتى الآن، فمنذ الوهلة الأولى لحظة دخولك تشاهد صورة «سومة» تعلو واجهة المبنى من الخارج، منحوتة على جدرانه معلنة خصوصية المكان، الذي يمتلئ دوره الأرضي بالعديد من صورها التي تزين كل جوانبه،

بعضها أهدته إلى المقهى بنفسها، ومدون عليها توقيعها في مراحل عمرية مختلفة، وبعضها تم شراؤه، والمقهى كأي مقهى يقدم الشاي والقهوة والقرفة والزنجبيل وباقي المشروبات الساخنة والباردة وللمدخنين يقدم الشيشة، ويرتاده الزبائن من كل الطبقات.

يصف محمد عبد الحليم مدير المقهى جوانبه فالدور الأرضي يستقبل الزبائن العاديين، لمشاهدة التليفزيون والاستمتاع بشرب الشيشة، أما الدور الثاني والثالث و«الروف» فهما لسميعة أم كلثوم، فالمقهى به جميع أغانيها مسجلة على أشرطة، بالإضافة إلى أحدث الأجهزة لإذاعتها.

ويروي عم علي أقدم العمال بالمقهى تاريخ هذا البناء الذي يعود تشييده إلى عام (1945) على يد يونانيين هما جورجي وشيسان، وكان اسمه وقتها«مقهي وبار التوفيقية» نسبة إلي شارع التوفيقية حينذاك قبل أن يتغير اسمه بعد الثورة ليصبح شارع أحمد عرابي.

و قام اليونانيان جورجي وشيسان ببيعه إلى شخص يدعى حسن عبد الرحمن، من أصحاب النشاط السياسي فحول المقهى إلى مقر لنقابة السائقين ومنع شرب الخمور فيه، وبعد ذلك بقليل تم بيع المقهى لثلاثة أشقاء هم أحمد وعبد العزيز وعلي طه، ولكن الحظ عاندهم فترة إلى أن أطلق عبد العزيز طه على المقهى اسم أم كلثوم عام 1951، ليكون هذا الاسم نقطة تحول في تاريخ المقهى.

وارتبط المقهى باسم كوكب الشرق، وبدأ يذيع أغنياتها عبر جهاز الراديو يوم الخميس من أول كل شهر، وهي الحفلة التي كانت تحييها «الست» حتى أصبح الارتباط كبيراً بين المقهى وسيدة الغناء العربي، ثم تطور الأمر بعد ذلك، نظراً للإقبال الشديد على المقهى من عشاق الفن الجميل، حيث اشترى أصحاب المقهى جهاز كاسيت من النوع الذي يعمل بشريط بكرة، وكان أحدث شيء في ذلك الوقت،

وبدأ المقهى يسجل حفلات أم كلثوم على الهواء من الإذاعة ويقدم أغنياتها على مدى ثلاث وصلات يومية، وخصص الدورين الثاني والثالث للسميعة فقط، ومن هنا اكتسب المقهى شهرته، وخصوصيته مع عشاق أم كلثوم، حتى اشتراها الحاج مصطفى عبد الحليم واشترطوا عليه أن يستمر المقهى في رسالته.

وكانت سيدة الغناء تأتي بين الحين والآخر لتستمع إلى أغانيها، وهي جالسة في سيارتها عبر جهاز الكاسيت، والذي كان صوته يصل إلى المارة في الشارع، حيث كانت تحب أن تتعرف على ردود أفعال المستمع العادي لأغنياتها الجديدة.

وشهد المقهى عدة مواقف طريفة أشهرها تلك القضية التي نشرت الصحف وقائعها حينذاك، عندما قام الشاعر أحمد رامي والملحن رياض السنباطي، بإقامة دعوى ضد صاحب مقهى أم كلثوم عام 1959، طلبا فيها الحصول على نسبة نظير إذاعة أغنيات أم كلثوم، التي اشتركا في تأليفها وتلحينها، ودخل الاثنان المقهى، ومعهما اثنان من رجال البوليس، وتم القبض على صاحب المقهى وأمسكوا بالجرسونات،

وأخرجوا من جيوبهم الإيراد اليومي، وحسبوا الإيرادات ونسبة الربح، وألزموا صاحب المقهى أن يدفع 52 جنيهاً شهرياً، مقابل إذاعة أغنيات أم كلثوم، حتى تدخلت بنفسها بعد ذلك، وخصصت نسبة إيراد المقهى لجمعية المؤلفين والملحنين. وكان المقهى ملتقى للأدباء والمثقفين والفنانين، ورجال السياسة أيضاً،

ومن رواده الصحفيان مصطفى وعلي أمين، والفنانون أحمد مظهر، وعماد حمدي، ومحمود المليجي ونور الشريف وسيد مكاوي، ومن السياسيين زاره الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين، كما كان المقهى ملتقى رجال الأعمال والمشاهير في ذلك الوقت، مثل محمد البدري، وجلال معافي، وسمير الفرا،

والدكتور محمد الجزيري من كبار رجال المحاسبين في مصر ومؤسس كلية التجارة الخارجية، وكان يصحبه إلى المقهى شقيقه الفنان أحمد الجزيري، حتى الرياضيين كان لهم حظ الجلوس على المقهى، مثل حسين السويفي، وابراهيم الكواوي، ومختار حسين بطل رفع الأثقال العالمي. كان لمقهى كوكب الشرق طقوس خاصة تعلن خصوصيته،

حيث كان يعمل يومياً من الصباح الباكر حتى السابعة مساء كبقية المقاهي، وعندما تدق الساعة السابعة يتغير شكله تماماً، فيطفأ نور الدور الثاني، ويصله ضوء خافت من الدور الأول، وتضاء لمبة حمراء، ثم ينطلق صوت أم كلثوم مخترقاً جميع أرجاء المقهى، ويصمت المستمعون تماماً، ولا يسمع شيء في المقهى سوى صوت أم كلثوم.

ومن الطقوس المتبعة أن يقدم المقهى كل يوم خميس باستثناء يوم الحفل الشهري، ثلاث أغنيات ثابتة هي: أهل الهوى، ورباعيات الخيام، وعودت عيني. أما السميعة الآن فقد تغير حالهم، ولم يعد هناك من يحرص على سماع ثلاث وصلات متتالية، قد تمتد لأكثر من ست ساعات،

و تراجعت مكانة المقهى بعض الشيء، لكنه لم يفقد بريقه كموقع تراثي وسياحي، يستقبل من حين لآخر العديد من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة لرصد تاريخ هذا المكان، وكان آخرها برنامج في التليفزيون الفرنسي على مدى ثلاث حلقات عن المقهى.