يصعب على أي شخص تلخيص قصتها ومعاناتها في بضعة سطور، فهي امرأة أشبه ما تكون أشدّ ثباتا من الجبال، فرغم كل ما تعرضت له من ظروف القسوة والظلم إلاّ أنها تفاجئ الجميع بكلماتها الواثقة وصوتها الذي يفيض بالأمل والإصرار العجيب على الاستمرار في الحياة إلى أمد بعيد، لا تعكّر صفوه الظلمة الأبدية التي تطبق عليها الجفون ممّن تختزن خلفها آخر مشاهد الوحشية التي أسدلت الستار على النور واغتالته بقانون البربرية والوحشية.
وقبل أن يعتقد البعض بأنّ في المقدّمة السابقة ما يشير إلى امرأة أسطورية، نبيّن بأنّ بطلتها لم تكن سوى واحدة من ضحايا البربرية الصهيونية، هي المناضلة الفلسطينية ليلى درويش، التي فقدت بصرها بفعل الغاز الإسرائيلي المسيل للدموع أثناء مشاركتها في إحدى التظاهرات السلمية التي جابت شوارع مدينة القدس في «يوم العودة» العام 1987،
حين خلّفت الوحشية التي انتهجها الصهاينة في قمع المتظاهرين 250 إصابة، غالبّيتها تسببت بإعاقات دائمة لأصحابها، وبينما استشهد عشرة فلسطينيين في ذات التظاهرة أصيب ثمانية منهم بالعمى الدائم نتيجة التعرض للغاز المحظور دوليا، كما تبين لدى فحصه من الأطباء ممن أثبتوا احتواءه على مركّز الأسيد ومواد كيماوية وكحولية تعمل على تفتيت الخلايا العصبية في العين خلال خمس عشرة ثانية فقط من دخولها إليها.
تعيش ليلى درويش حاليا في الأردن، حيث المكان الذي تمّ إبعادها إليه، لتعايش وحشة من نوع آخر تضاف إلى وحشة الظلمة الدائمة، وهي وحشة الغربة والبعد عن الأهل إلى أجل غير مسمّى..في «المركز العربي للصناعات الدوائية والكيماوية» تعمل ليلى كمشرفة اتصالات،
وتذهل الجميع بإتقانها العمل حد الإعجاز، اذ تستقبل المئات من المكالمات الهاتفية من دون أي أخطاء تذكر في تعاملها مع ثلاثة أجهزة معقدة وضخمة تحوي عشرات الأزرار، وتخدم ما يزيد على 70 موظفاً يعملون في المركز.
عن إصابتها تقول ليلى: كنت لا أزال على مقاعد الدراسة الجامعية في جامعة بير زيت، حين شاركت في تظاهرة سلمية سميت في حينها ب«تظاهرة العودة»، التي جاءت بهدف الاحتجاج على تشريد الملايين من أبناء شعبنا خارج أرضنا، وكعادة الجنود الصهاينة باغتونا بإطلاق الرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، ولم أصح إلا وأنا في مشفى العيون في القدس لا أرى شئيا من حولي.
وتضيف: لم أعرف إنني أصبت بالعمى، حيث اعتقدت انها مجرد التهابات عارضة ناجمة عن الغبار والغازات التي تمّ إطلاقها، وذلك رغم أنني لاحظت بأنّ اللون الرمادي الذي كنت أراه في البداية بدأ يخفت بعد ساعات من استيقاظي ليحلّ مكانه ظلام دامس.
وتظهر ليلى جلدا غير مسبوق حين تسرد كيف استقبلت خبر إصابتها بالعمى الدائم، تقول: لم يتمّ إعلامي بذلك إلاّ بعد مرور ثلاثة أشهر على وجودي في المشفى، حيث يبدو أنّ الأطباء قرروا إطلاعي على الحقيقة بعد فقدانهم الأمل بعلاجي، وبخاصة أنهم اكتشفوا، وكما عرفت لاحقا، أنّ الغاز الذي تسبب بالعمى لي ولسبعة آخرين من المشاركين في التظاهرة، كان يحوي على غازات محظورة دوليا.
وحين تمّ إطلاعي على الأمر وجدتني أتلقّى الخبر بجلد وثبات غير عادي، فلم أبك نهائيا، وعلى العكس ابتسمت في وجه فريق الأطباء الذي تجمهر حولي من أجل إطلاعي على الخبر الشؤم، مما أثار استهجانهم وجعلهم يتأثرون بشدة ،حيث بكوا جميعا كما أخبرتني إحدى المرضات لاحقا،
أمّا أنا فقد مررت بلحظات سكينة وهدوء لأيام عدة خرجت بعدها بقرار مهم، وهو ضرورة استمراري في الحياة لأنّ يأسي ونكوصي سيحقق للأعداء مآربهم في قتل الأمل والحياة فينا كأصحاب قضية نسعى للعيش من أجل خدمتها بشتّى السبل.
لم يكن الأطباء وحدهم من تأثروا بقصة ليلى، فقد تعرّض والداها وعلى خلفية معرفتهم بالخبر المحزن لصدمة نفسية شديدة، دخلا على إثرها إلى المشفى لعدة أيام لتلقي العلاج،غير أنّ الإسرائيليين لم يتوقفوا عند هذا الحد من إلحاق الأذى بليلى وأسرتها، بل سارعوا بإبعادها إلى الأردن فور تعافيها وخروجها من المشفى، بحجة انتمائها التنظيمي، ولم تشفع لها إعاقتها وحاجتها لوجود مرافق في تليين قلوب متحجرة.
وعن حياتها في الأردن تقول: بدأت حياتي من الصفر، فحين وصلت إلى الأردن لم أكن أعرف أحدا ولا أقرباء لي هنا، كما أنّ أحدا من أهلي لم يستطع اللّحاق بي من أجل مرافقتي في الغربة، وسبحان الله الذي يكون سندا لكل غريب وضعيف، فهو من سخّر لي عشرات الناس الطيبين في الأردن ممّن ساعدوني كثيرا، وسهّلوا حياتي،
وفي مقدمتهم وزير التنمية الاجتماعية الأردني آنذاك (الدكتور عوني البشير)، الذي زرته في اليوم التالي لوصولي الأردن، وحين طلبت مقابلته، لم يتردّد في فتح بابه وقلبه الطيب لي رغم عدم معرفته المسبقة بي وانشغاله في عمله، وما زلت أذكر ما قاله لي في اللقاء الأول من أنّه سيعتبرني منذ تلك اللحظة فصاعدا بمثابة ابنته، وكما أوصاني بعدم التردّد عن مهاتفته في أي وقت أحتاجه فيه.
وبعد إخلائه لمقعده الوزاري، تسلّم الدكتور البشير منصب مدير عام المركز العربي للصناعات الدوائية والكيماوية، وهو المكان الذي أعمل فيه حاليا، حيث أستقدمني في العام 1997 ووظّفني فيه كمشرفة للاتصالات كي أوفر مصدر دخل يؤمن لي حياة كريمة تغنيني عن حاجتي لمساعدة الناس.
تؤكد ليلى على أنّها تحفظ في ذاكرتها مئات الأرقام الهاتفية، وبخاصة أرقام المؤسسات التي ترتبط بها شركتها بعلاقات عمل دائم، وكذاك أرقام كل الدوائر الحكومية الأردنية، وهي تستقبل يوميا ما يزيد على ال500 مكالمة هاتفية، لا ترتكب خلالها أي أخطاء،
بل تتعامل معها بمهارة وحرفيّة عالية، وكان أكثر ما أذهلنا قدرتها على تدوين ملاحظات بخط يدها على قصاصات ورق لتسليمها لأصحابها من موظفّي المركز الذي يصادف وجود الواحد منهم خارج المركز لدى تلقّيه بعض المكالمات الهاتفية.
وفيما يتعلق بحياتها بعيدا عن العمل تطلعنا ليلى على أنها تعيش بصحبة عدد من الفتيات المغتربات في سكن تتشارك وإياهنّ بدفع أجرته، وفي إدارته أيضا، وهنا تضيف بثقة: أرفض محاولتهنّ إراحتي من العمل المنزلي وأصرّ على مشاركتهنّ به، حيث أجيد الطبخ خاصة المنسف الأردني والمقلوبة الفلسطينية، وأنا ماهرة في حفر الكوسا ولفّ ورق العنب أيضا، كما أتشارك ورفيقاتي في السكن في عمليات التسوّق التي نقوم بها لإبتضاع حاجيّات المنزل.
ولا تدّعي ليلى أنّ حياتها تمرّ دائما بسلام، حيث تلمح إلى كونها تعرّضت إلى بعض حالات استغلال عجزها، وبخاصة من بعض سائقي التاكسي ممّن قام أحدهم بأخذ عشرة دنانير منها دفعة واحدة كانت قد قدمتها له على اعتبار أنها دينار ليس أكثر،
وكما تعرّضت في فترة من الفترات لمضايقات ومعاملة غير إنسانية من فتاة كانت تقطن معها في السكن، غير أنّ بقية رفيقاتها في السكن قمن بطردها لدى علمهنّ بأنّها تعمد إلى تبليل ملابس ليلى أثناء نومها وتلويثها بالأوساخ.
وفي سؤالها عن أسرتها، تتنهد ليلى بحزن، قبل أن تجيب عن السؤال بصوت ينمّ عن الكثير من الألم: توفي والديّ بعد إبعادي حزنا وقهرا عليّ، ولم أستطع لقاءهما، لكم أشتاق إليهما ولأسرتي ولمنزلي ولكل حاجياتي التي تنتظرني في مدينتي رام الله،
يبدو لي الأمر أحيانا أشبه بالكابوس الذي أحمل من الأمل بقدرة الله الكثير ليساعدني على الإفاقة منه، والأمل لا يزال يحيا في داخلي بأن يأتي يوم أعود فيه لوطني مبصرة، فرغم تأكيدات الأطباء باستحالة إبصاري أجدني أصبّر نفسي بمشيئة الله التي قد تبدّل الأقدار ما بين الكاف والنون.
وتفصح ليلى عن أنها تحاول تعويض الحرمان العاطفي الذي تعيشه، عبر محاولتها مساعدة الناس المعوزين ماديا، أو مّن يحتاجون لإجراء عمليات جراحية ويعجزون عن تغطية نفقاتها، وهنا تبتسم لتقول: أداوي الجرح بمداواة جروح الآخرين، فأنا اجتماعية وتربطني صداقة جميلة بالكثيرين، ومنهم بعض الصحافيين الذين يبدون تجاوبا معي حين أطلب منهم إعانتي في تقديم المساعدة لبعض الناس المحتاجين الذي أصدفهم في حياتي.
(خدمة وكالة شيما برس)
عمان ـ بثينة السراحين
