على عكس الحملات الانتخابية في الدول الغربية التي تتسم بالغليان السياسي فان لموريتانيا جوا آخر مغايرا يطبعه الفن والرقص مع جرعة قليلة من السياسية. فهي تشكل فرصة للكثيرين للتمتع بالسهر داخل الخيام في أجواء طرب ومرح. فالموريتانيون حريصون على التمتع بالجو الديمقراطي في نواكشوط بإضاءة الفنانين ليالي الحملات الانتخابية.
حيث يتم التعاقد مع الفنانين الكبار من طرف إدارات الحملات الانتخابية بمبالغ لا تقل عن 3 ملايين أوقية (15 ألف دولار) لتلحين نشيد المرشح وعشرة ملايين أوقية لإدارة حملة غنائية متكاملة سيما وان هناك اعتقادا سائدا بان الكثير من الناخبين وخاصة (الشباب) يصوتون طبقا للمظاهر المادية للمرشح، والتي يلعب فيها الفنانون دورا كبيرا لحسمها .
تعتبر مساهمة الفنانين في الحملة الانتخابية هامة جدا ذلك أنهم يقومون بالدعاية الإعلامية للمرشحين بطرق أكثر نجاعة في موريتانيا من وسائل الإعلام التي عادة ما يتركز دورها على البرامج الانتخابية فقط. ويبرز دور الفنانين في الحملة الانتخابية لان هناك اعتقادا سائدا بان الكثير من الناخبين وخاصة (الشباب) يصوتون طبقا للمظاهر المادية للمرشح، والتي تعد مساهمة الفنانين أحد أهم مقاييسها ، إضافة إلى مقر الحملة وعدد السيارات الفارهة والمهرجانات والحفلات الباذخة.
ويتم اختيار الفنان في الحملة الانتخابية على أساس شهرته الفنية في المجتمع وقدرته على الأداء الفني وشعبيته وعلاقاته وتأثيره في جمهور الناخبين، ونادرا ما يتم اختياره على أساس المعرفة والقبيلة أو الجهة، حسب بعض المصادر القريبة من الفنانين.
عقود بالملايين
ويتم التعاقد مع الفنانين الكبار من طرف إدارات الحملات الانتخابية بمبالغ لا تقل عن 3 ملايين أوقية (15 ألف دولار) لتلحين نشيد المرشح و عشرة ملايين أوقية لإدارة حملة غنائية متكاملة له .. ويليهم صنف ثان يؤدي نفس الأعمال بمبالغ تتراوح ما بين 1 مليون إلى 3 ملايين أوقية، أما الصنف الأخير فيتم التعاقد معه حسب التراضي مثلا( 000,500) أوقية .
وبما أن دور الفنانين يقتصر على الأداء والتلحين فإنهم بحاجة لكتاب كلمات وغالبا ما يكون أولئك من الشعراء المشهورين بجودة الإنتاج والمقدرة الفنية وتتراوح أسعارهم للنشيد الواحد ما بين 150000 أوقية وحتى 1 مليون أوقية ، وقد يتم اختيارهم من طرف إدارة الحملة أو الفنان، وهنالك صنف ثان منهم يبيع كلماته وقصائده فقط وبمبالغ تتراوح ما بين 100 ألف أوقية و150 ألف أوقية.
فالموسيقى والشعر تكون أوقاتهما عادة بعد صلاة العشاء حيث يتوافد مئات الأشخاص إلى الخيام المضروبة في كل مكان للسهر والاستماع للموسيقى العذبة والألحان الشجية والقصائد الطنانة والمآثر المختلفة لهذا المرشح أو ذاك، وقد يتم كل ذلك على خرير كؤوس الشاي المنعنع المعد بعناية وفي مجالس لا تخلوا من الأنس والمرح خاصة وأنه كل ما تأخر الليل أصبح المجلس شبابيا أكثر. أشياء كثيرة تدور في تلك الخيام منها الرقص الجماعي على إيقاع الموسيقى الحماسية، الرقص الفردي، التصفيق، إنشاد الشعر الفصيح والشعبي، التقليد لبعض المشاهير، ذكر مناقب وسيرة المرشح.
ويفسر بعض المختصين اختيار الملحنين للأغاني الإيقاعية الحماسية بكون معظم جمهور الحملة شبابا ولتناسب ذلك النوع من الموسيقى (المقامات) مع موضوع ووزن كلمات النشيد والقصائد الشعرية المقدمة، ومن الطريف أن الفنان الواحد قد يعمل مع مرشحين متنافسين في الوقت نفسه، ذلك أن الفنانين يعتبرون أنفسهم حياديين.
الحملة الانتخابية إلى أين؟
ويعتقد بعض الموريتانيين أن من الطبيعي أن تتميز الحملة الانتخابية بالمظاهر الحماسية المشوبة بالتسامح وقبول الرأي الآخر، لكن بعض المتخصصين في علوم الرأي العام يرون أن الحملات الانتخابية في موريتانيا ليست إلا مواسم للترويح عن النفس ولا يعتمد فيها على الأسس الحقيقية في الحملات الانتخابية كما يحدث في العالم (عرض البرامج، التعريف بالمرشحين على حقيقتهم، تحديد وزنهم الشعبي والانتخابي، تركيز مفهوم الدولة والمواطنة في ذهن الشعب، دفع الجمهور للتصويت حسب قناعته دون تأثير قبلي أو جهوي أو مادي)،.
وبالتالي فإن الحملات الانتخابية هنا تبقى فرصة لتبذير الأموال وشحن الأجواء بالضوضاء. ويؤكد المختصون أن الحملة الانتخابية المقبلة يجب أن تركز على خصائص الحملة الحقيقية وتبتعد عن كل أخطاء الحملات السابقة لكي يمكن اختيار رئيس لكل الموريتانيين على أسس سليمة.
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه
