عند تحمله مسؤولية المحاولة الكارثية للإطاحة بفيديل كاسترو عبر الاستعانة بالمنفيين الكوبيين في الهجوم على خليج الخنازير في أبريل 1961، قال الرئيس الأميركي المنتخب حديثاً جون كينيدي، «للنصر آباء كثر، أما الهزيمة فيتيمة». هناك إجماع متنام في واشنطن (وعلى الغالب إجماع عالمي) على أن المغامرة في العراق تبدو كهزيمة استراتيجية جدية بالنسبة للولايات المتحدة.

ولكن هذه الهزيمة لن تكون يتيمة. هناك طبقة من أصحاب القرار الذين جرت تسميتهم، من الرئيس الأميركي جورج بوش ونائبه ديك تشيني إلى وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ومساعديه بول ولفوويتز ودوغلاس فيث، إلى ذوي المناصب من جماعة المحافظين الجدد ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير.

الآن تظهر العديد من الأهداف الجديدة. فبعد هجومهما العنيف في كتابهما «أميركا وحيدة: المحافظون الجدد والنظام العالمي» على الانقلاب الذي نفذه المحافظون الجدد للإمساك برأس الهرم القيادي المسؤول عن السياسة الخارجية في إدارة بوش، فإن ستيفان هالبر وجوناثان كلارك حولا أنظارهما إلى المشاركين في القرار والذين شجعوا الرئيس الأميركي على الغرق في المستنقع العراقي.

يعتمد كتابهما الجديد تحت عنوان «سكوت المركز العقلاني، لماذا تفشل السياسة الأميركية» على وثائق وشهادات قوية.

عمل هالبر سابقاً في إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان وفي إدارة بوش الأب، ويعلّم حالياً بجامعة كامبريدج في بريطانيا، أما كلارك فهو دبلوماسي بريطاني مخضرم، مع خبرة خاصة في عمل المخابرات.

وأطلق الرجلان انتقاداتهما في كل الاتجاهات،وتعرض الكاتب في الشؤون الاقتصادية بول كروغمان المعروف بكونه كاتب العمود المعارض للحرب في «نيويورك تايمز» للإدانة بسبب تخطيه حدود اختصاصه، تماماً كما تم توبيخ كل من البروفسورين برنارد لويس وصمويل هنتنغتون بسبب تبسيطهما ولجوئهما إلى الإثارة في عرض معارفهما الواسعة.

وتم انتقاد مراكز الأبحاث الحزبية مثل «مؤسسة هيريتاج» ومعهد «أميركان إنتربرايز» كمروجة للحرب ومشجعة عليها. أما المعاهد الأكثر حيادية مثل بروكينغز كارنيجي إندومينت و«مركز الدراسات الاستراتيجية والعالمية» فانتقدت بسبب المراوغة وصمتها شبه المطبق في الوقت الذي كان فيه بوش يتجه إلى الحرب.

أما مجلس العلاقات الخارجية ذو المكانة المرموقة، فمتهم بـ «الفشل المؤسسي» بسبب وقوفه «في مسألة المعارضة». أما الأبهة الكاملة التي تحيط بمراكز الأبحاث في واشنطن فاعتبرت «جماعة مهزومة» في مدينة يهيمن عليها «فراغ تبادل شعارات الحرب التي تبسط المتغيرات وتطمس القرارات الدقيقة».

وكتب كل من هالبر وكلارك أن (التأثير كان يهدف إلى قمع المركز العقلاني والنقاش الذي كانت هناك حاجة إليه لتشكيل سياسة فعالة)، وأضافا «ضع الأمر بطريقة أخرى، إذا تشكلت السياسة (القرارات) بدون فوائد النقاش المستفيض، عندها فإن واحدة من كنوز البلاد الجديرة بالملاحظة والتي لا يمكن الاستغناء عنها، أي الطاقة العقلية المنسابة بحرية، يكون تم التخلي عنها».

وانتقد هالبر وكلارك بقسوة فكرة بوش الضخمة عن «مسيرة الحرية»، التي أفشلت حتى اليوم محاولة نشر الحداثة والديمقراطية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وبالرغم من ذلك فإن تقرير التنمية البشرية العربية المهم التابع لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، والذي صدر عام 2002 وكتبه مثقفون ومفكرون عرب، رأى أن فكرة بوش الضخمة هذه ربما تستحق الاهتمام والتمعن، لا التهكم عليها. لا شك أن دعم بوش الصريح للديمقراطية في العالم الإسلامي أدى لبروز نتائج قليلة.

ورأى هالبر وكلارك أن فريق بوش يشبه سلالة البوربون في فرنسا الذين حين استعادوا السلطة بعد الثورة الفرنسية «تذكروا كل شيء ولم يتعلموا شيئاً». ولكن العمل مع الصين في كوريا الشمالية ومع الأوروبيين والأمم المتحدة فيما خص إيران، وفوائد دبلوماسية الاستشارات لا تبدو خسارة بالكامل بالنسبة لبوش.