أفادت مصادر متطابقة بأن قوات أميركية خاصة من ضباط الجيش والمخابرات ،تنتشر في عدد من مناطق الصحراء الكبرى الافريقية في مهمة ميدانية لمواجهة تغلغل تنظيم القاعدة في المنطقة، فيما تشن قوات برية وجوية جزائرية كبيرة منذ منتصف فبراير حملة كاسحة على مساحات واسعة في مناطق من وسط وغرب الصحراء تمتد من غرداية ( 600 كيلومتر جنوب العاصمة) إلى الحدود مع مالي وموريتانيا لكشف معاقل الجماعات المسلحة.
وأكدت المصادر أن واشنطن عجلت بمساعدات مباشرة لدولتي مالي والنيجر تضمنت أموالا ومعدات عسكرية وأجهزة اتصال متطورة ومدربين على الحرب في الصحراء. وتمركزت المساعدات اللوجستية والبشرية الأميركية في منطقة تومبكتو وجاو الواقعة شمال مالي على الحدود مع الجزائر لأهميتها في الحرب على الإرهاب. وتعد هذه المنطقة بحسب الخبراء أهم معابر السلاح والمسلحين على المحور الممتد من المحيط الأطلسي غربا حتى البحر الأحمر شرقا.
وأشارت المصادر أن الجهود الأميركية ـ الجزائرية في المنطقة مكنت من توظيف 12 دليلا عارفا بخبايا الصحراء من طوارق الجزائر ومالي والنيجر وتشاد وموريتانيا لتقفي الآثار فضلا عن تجهيزات تقنية عالية للمساعدة على كشف قوافل المهربين والإرهابيين.
وقد أصيب المشروع الأميركي بنكسة في الربيع الماضي حين اندلعت مواجهات بين القوات النظامية التابعة لحكومة مالي ومتمردين من الطوارق تمركزوا بمنطقة كيدال على إثر هجوم قام به المتمردون على ثكنات للجيش استولوا خلاله على أسلحة وآليات وقتلوا وأسروا عددا من الجنود وتبادل الطرفان التهم بالتعامل مع الجماعات الارهابية. لكن تدخل الدبلوماسية الجزائرية السريع مكن الجانبين من الجلوس إلى طاولة المفاوضات بعد شهرين فقط من اندلاع النار طاولة.
وجرى في يوليو توقيع اتفاق سلام مبدئي بين الطرفين بالعاصمة الجزائرية بدأ تنفيذه الثلاثاء الماضي بتسليم متمردي التحالف الديمقراطي من أجل التغيير أسلحتهم وقد شكل الاتفاق إنجازا مهما على درب توجيه كل الجهود لمكافحة انتشار تنظيم القاعدة بالمنطقة.
وأعلن قياديو التحالف عن تشكيل فرق للدفاع الذاتي مزودة بأسلحة جزائرية وأميركية وبأجهزة الاتصال لحماية البلدات والقرى التي يقطنونها وقطع الصلة بين الجماعات التابعة للسلفية وقبائل الطوارق التي كانت تجد لديها الملاذ والدعم. ونجحت الوساطات في تحقيق تعهد من الحكومة ومن المتمردين بعدم استخدام السلاح في خلافاتهم.
ولئن كان التنسيق الأمني الجزائري ـ الأميركي في حرب الصحراء بلغ مستوى جيدا كما يصرح مسؤولون أميركيون فإن ثمة مسألة حيوية طرحت نفسها في الآونة الأخيرة بإلحاح. فقد ارتأت دول أوروبية في مقدمتها فرنسا واسبانيا أنها معنية بالتهديدات التي يطلقها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الاسم الذي اتخذته الجماعة السلفية للدعوة والقتال منذ نحو شهر، وعليه فإنها معنية بالدفاع عن نفسها وعن مصالحها في منبع الخطر، وهو استنساخ للنظرية الأميركية الجديدة المبنية على الحرب الاستباقية.
وترى فرنسا واسبانيا ودول أخرى من الاتحاد الأوروبي أن المواجهة في الصحراء يجب أن تتجاوز الإطار الضيق الذي جمعته واشنطن حول مشروعها والمتكون من الدول المغاربية ودول الساحل الافريقي التي عقدت مؤخرا اجتماعا لقيادات أركانها بالسنغال، وسلطت صحيفة «البايس» الاسبانية مؤخرا الضوء على هذا الموضوع وأكدت أن مدريد وباريس عرضتا مساعدات متعددة الأوجه والأبعاد للمساهمة في مطاردة تنظيم القاعدة الذي صار قويا في إفريقيا.
وأكدت أن المخابرات في البلدين توصلت إلى نتائج تفيد بأن أسامة بن لادن أقام تنظيما قويا في الصحراء الافريقية من خلال الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية التي عملت على إرساء قواعد التنظيم في المنطقة منذ أزيد من ثلاث سنوات.
وأوضحت «البايس» استنادا إلى مصادر وصفتها بالعليمة أن المخابرات الاسبانية تراقب باهتمام هذا المرتكز الجديد لتنظيم القاعدة في الساحل الافريقي وأن اسبانيا وفرنسا تريان نفسيهما معنيتين مباشرة بهذه التطورات.
في غضون ذلك، ذكرت مصادر سياسية أن الجزائر لبناء شبكة قوية توقف تغلغل القاعدة وتغلق منافذ تهريب السلاح. وأعطت لموقفها بعدا ميدانيا حين استعرضت قوتها ودفعت بآلاف من الجنود والضباط والطيارين للتدرب على حرب الرمال والصخور والأودية الصحراوية في أكبر حملة تشهدها المناطق الجنوبية للبلاد في تاريخها. وأعلنت في الأيام الأخيرة مساحة واسعة من ولايتي غرداية وأدرار الصحراويتين «منطقة عمليات عسكرية» ومنعت بها الحركة وأغلقت عددا من مسالكها وتراقبها على مدار الساعة من الجو.
كما نظمت تمشيطاً واسعاً بآلاف من المشاة على تلك المناطق التي تعد المعابر الرئيسية للأسلحة من دول الساحل الإفريقي باتجاه شمال الجزائر. وسبق أن أحبطت بها عدة محاولات لتهريب السلاح.