صوب الزعيم السوداني المعارض، رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي مجددا انتقاداته لاتفاقية (نيفاشا) التي وقعتها حكومة الرئيس عمر البشير مع (الحركة الشعبية لتحرير السودان)، والتي وضعت حدا لحرب في جنوب البلاد امتدت لأكثر من عقدين، وحذر من أنها بدأت تنهار قائلا إنها بنيت على افتراضات غير صحيحة ما أدى إلى تعثرها.

وجدد المهدي في حوار أجرته معه «البيان» في القاهرة اقتراحه بعقد لقاء جامع يضم كافة القوى السودانية السياسية لتطوير اتفاق نيفاشا. واعتبر أيضا أن (اتفاقية ابوجا)، بين حكومة الخرطوم وجزء من متمردي دارفور، «لم تحقق المأمول منها لأنها ببساطة أكثر هشاشة وضعفا ونقصا من اتفاقية نيفاشا».

وقال المهدي في سياق الحوار إن أحداث القمع الذي تعرض له لاجئون سودانيون، كانوا معتصمين في القاهرة العام الماضي، على أيدي قوات الأمن المصرية «ستظل بقعة سوداء في تاريخ العلاقة بين مصر وفصائل سودانية كثيرة». واعتبر أن الحديث الذي يتردد عن تعاظم الخطر الشيعي في السودان حديث «سخيف».

وقال إن «هناك دورا سلبيا للتدخل الأجنبي في شؤون بلدان المنطقة ولكن الصراعات الموجودة فيها عامل وأساس محلي تستغله إسرائيل وقوى الهيمنة الخارجية». وأوضح انه «طالما بقي الظلم في فلسطين والعراق عبر الاحتلال وبقيت الوصاية على دول المنطقة والهيمنة عليها سيتنامى الشعور العدائي للغرب».. لكنه أشار إلى انه «من الممكن أن ينشأ تحالف نوراني جديد بين شعوب العالم حول سلام عادل وشامل» على أنقاض الهيمنة الأميركية السائرة في طريق الأفول. وتاليا نص الحوار:

ـ يتركز اهتمام الرأي العام العربي والعالمي على قضية دارفور.. فهل تحتل هذه القضية نفس الأهمية عند السودانيين أنفسهم أم أنهم يعانون من مشاكل أعمق وأخطر ولا يتم الالتفات إليها؟

ـ الحقيقة أن القضية الجديرة بالاهتمام حاليا هي قضية اتفاقية السلام الأساسية والمعروفة باسم (اتفاقية نيفاشا) بين الحكومة السودانية وتحديدا حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الشمال وبين الحركة الشعبية في الجنوب وذلك نظرا لما تعانيه تلك الاتفاقية من عثرات خطيرة منذ دخولها حيز التنفيذ الواقعي.

وللأسف رغم إدراك السودانيين لذلك فإنه لا يوجد اهتمام عالمي كاف من جانب المجتمع الدولي وتحديدا من جانب الدول التي كانت راعية لهذه الاتفاقية وذلك بسبب انشغالهم بقضية دارفور، وذلك لما اتخذته الأخيرة من طابع إنساني، حيث يوجد الآن مئات الآلاف من السودانيين يعيشون بعيدا عن قراهم كنازحين مشردين ويتعرضون يوميا لأخطار الاقتتال والإصابة بالأمراض والأوبئة والمجاعة خاصة وانهم يعتمدون فقط على ما تقدمه لهم الاغاثات الأجنبية والذين ربما تعجز مواردهم عن دعم كل هؤلاء النازحين أو تهدد حياة العاملين فيها فيرحلون.

وهكذا طغى هذا الوضع الإنساني المأساوي في دارفور على الاهتمام بباقي القضايا الأخرى رغم خطورتها الشديدة وفى مقدمتها التعثرات التي تقابل (اتفاقية نيفاشا) وأيضا العثرات التي تواجه اتفاقية الشرق والمعروفة باسم (اتفاقية أسمرة).. ثم هناك أخيرا قضية الدعم المالي الذي تبرع به المانحون وهو تقريبا يقدر بما يزيد على أربعة مليارات دولار لدعم التنمية في السودان ولم يتحقق من هذا الدعم إلا الشيء البسيط.

ـ وما هي الأسباب الرئيسية لتعثر اتفاقيات السلام وتحديدا اتفاقية نيفاشا بين الشمال والجنوب؟

ـ السبب الرئيسي أن تلك الاتفاقيات قد بنيت على افتراضات غير صحيحة.. الافتراض الأول في اتفاقية نيفاشا مثلا هو تصور أن الاتفاق بين طرفيها من الحكومة السودانية بقيادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم وبين الحركة الشعبية في الجنوب يساوي اتفاق كافة السودانيين ويؤدي لسلام شامل بينهما. وهذا غير صحيح لأن هناك قوى سياسية كثيرة مسلحة ومدنية في كل من الشمال والجنوب لم تدخل طرفا في تلك الاتفاقية وبالتالي صارت الأخيرة لا تشملهم وأصبحوا غير ملتزمين بها وتلك هي أول وأخطر نقطة ضعف بها.

أما ثاني أوجه الضعف فتتمثل في ترك تلك الاتفاقية لأجزاء كثيرة من بنودها لتكون حاملة أوجه متعددة أي لم تحسم معانيها بصفة قاطعة وكأنها تركت كنوع من الحلول الوسط دون توضيح وهو ما أدى وسمح لكل من طرفيها أن يدعي أن تفسيره لتلك البنود هو التفسير الصحيح. وثالثا إغفال الاتفاقية ذاتها للعديد من البنود التي كانت بالأساس سببا في الخلاف فمثلا لم يتم الاتفاق على ضرورة وضع بروتوكول ديني أو ثقافي وكذلك لم يتم الاتفاق على وضع بروتوكول خاص للمساءلة عن تجاوزات الماضي أي ما حدث من انتهاكات قبل توقيعها وأيضا لم يوضع بروتوكول للسياسة الخارجية..

وهكذا تركت كل هذه النقاط الهامة دون معالجة مما أدى لتجدد الخلاف حولها مرة أخرى الآن. أما السبب الرابع فهو هشاشة تلك الاتفاقية فهو من وجهة نظري أنها كانت معتمدة بدرجة كبيرة جدا على القوى الأجنبية وتلك القوى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية التي كانت مهتمة فقط بسرعة التوقيع على الاتفاقية دون الاهتمام بعملية تطبيقها على ارض الواقع .

وذلك بسبب احتياجها الشديد لتقديم أي نموذج نجاح لها تباهي به، أو بمعنى أدق، تتستر به وتغطي به على الإخفاقات العديدة التي منيت بها سياساتها في المنطقة بداية بفلسطين وانتهاء بالعراق. خامسا وهو أيضا سبب في غاية الأهمية وان كان هذه المرة داخليا وهو عدم تخلي طرفي الاتفاق عن رؤى كل منهما الايدولوجية.. فالمؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) لا يزال يصر على إسلامية نهجه..

وفي المقابل لا تزال (الحركة الشعبية) تصر على علمانية نهجها.. وهو ما خلق فجوة مجتمعية وفكرية كبيرة تولد عنها شعور متبادل بعدم الثقة، والدليل على ذلك انه مر حتى الآن عامان على توقيع تلك الاتفاقية دون أن يحقق طرفاها شيئا للسودانيين باستثناء وقف إطلاق النار وإن كانت هناك عناصر منسوبة للطرفين لا تزال تشترك ضد بعضها البعض في حروب أي أنه حتى الانجاز الوحيد لتلك الاتفاقية غير مكتمل.

ـ بعيدا عن المستوى الرسمي والسياسي.. كيف تقيم العلاقة بين أهل الشمال والجنوب في ظل بقاء وتجدد أسباب الخلاف بينهما؟

ـ كثير من الجنوبيين صاروا أقل مرارة في التعامل مع الشماليين على اعتبار أن حقوقهم ردت إليهم بينما يرى بعض الشماليين أن الاتفاقية أعطت أهل الجنوب أكثر من نصيبهم.. وهؤلاء الآن صاروا يعرفون باسم «انفصاليو الشمال»، بينما كان أهل الجنوب جميعا في الماضي يسمون ب«انفصاليي الجنوب»®.

ولكن في العموم يمكن القول إن الاتفاقية قد أفرغت إلى حد ما شحنات العداء القديم بين الطرفين ولكنها لم تحقق لهما حالة الشعور بالسلام والاطمئنان بدليل ما حدث عند وفاة الدكتور جون قرنق (زعيم الحركة الشعبية) من اضطرابات في كل من الخرطوم العاصمة ومدينة جوبا بالجنوب وذلك بسبب الشكوك والظنون المختلفة بين الأطراف.

ـ وماذا تحديدا بشأن الصراع على اقتسام الثروات بين الطرفين أي أهلي الشمال والجنوب وبخاصة فيما يتعلق بالثروة النفطية؟

ـ لا يوجد شك أن قضية البترول تحديدا لا توجد فيها شفافية كافية.. فاتفاقية نيفاشا تتحدث عن حق الجنوبيين ممثلين في الحركة الشعبية على الاطلاع على تفاصيل اتفاقيات البترول على أن تلتزم بعدم البوح بسريتها فكأن الموضوع برمته قائم على عدم الشفافية ولذا لا تزال الحركة الشعبية تتهم حزب المؤتمر الوطني الحاكم بأنه ليس شفافا في بيان كميات البترول المنتجة والأسعار الحقيقية التي يباع بها والحسابات الحقيقية الخاصة به.

ومما زاد من هذه الاتهامات بعدم الشفافية الكاملة هو تعطل إنشاء المفوضية المعنية بإدارة شأن النفط في السودان بدرجة كبيرة.. كما أنها بعد تكوينها لم تمارس نشاطها بالشكل المطلوب أو على النحو الذي كان مرسوما لها.. وهذا بطبيعته زاد وعزز من عامل عدم الثقة والذي انتقل من المستوى الرسمي إلى المستوى الشعبي تمثل في حدوث اشتباكات بين طلبة حزب المؤتمر الوطني وطلبة الحركة الشعبية في الجامعات السودانية..

ووصل الأمر إلى درجة استخدام السلاح ضد بعضهما في أحد هذه المواجهات قتل على أثرها أحد الطلبة وجرح آخرون وهو ما يعني استمرار نوع من العداء ليس فقط بصفة عامة بين أهالي المال والجنوب بل وأيضا تحديدا بين طرفي الاتفاقية أنفسهم.

ـ هناك تقديرات بأن ينهار هذا الاتفاق الخاص بالسلام مع الجنوب ويقرر الأخير الانفصال عن الشمال فما هو تقييمك لتلك التقديرات؟

ـ كل شيء وارد الحدوث وإن كان في رأيي أن (اتفاقية نيفاشا) قد انهارت من الآن.. وليس في المستقبل. والسؤال الحقيقي الآن هل يسمح لهذا الانهيار أن يكتمل أم يمكن تجنب حدوث ذلك؟.. كما نقترح من جهتنا بعقد لقاء جامع يضم كافة القوى السودانية السياسية لتطوير هذا الاتفاق وتحويله من شكله الثنائي لصفة الجماعية مع معالجة باقي أوجه القصور فيه.

ـ على الرغم من إمكانية القبول بكافة التحفظات على اتفاقية نيفاشا فهي على الأقل استطاعت وقف إطلاق النار بين الأطراف المتحاربة.. فلماذا لم تحقق اتفاقية أبوجا والمتعلقة بوقف القتال في إقليم دارفور الهدف نفسه؟

ـ لانها ببساطة أكثر هشاشة وضعفا ونقصا من اتفاقية نيفاشا.. فاتفاقية أبوجا صممت ليوقع عليها مع الحكومة السودانية ثلاثة فصائل متحاربة في دارفور إلا أنه لم يقبل بها سوى فصيل واحد.. بينما بقي الفصيلان الآخران وهما (حركة تحرير السودان) و(حركة العدل والمساواة) خارجها.. وبالتالي أصبحا غير ملتزمين بما تقرر فيها.

بل وزاد الأمر سوءا أنهم أيضا شكلوا جبهة مشتركة معادية لاتفاقية أبوجا سميت ب(جبهة الخلاص) وهو الأمر الذي أعاد فتح الباب أمام الاقتتال الداخلي بالمنطقة وبذلك أصبحت الحالة الأمنية بها غاية في الاضطراب والتدهور الشديد.. وكذلك أيضا الحالة الحدودية خاصة مع تزايد عدد الحروب بالوكالة .

والتي تقوم بها بعض العناصر المتنازعة بالوكالة عن الحكومات على الحدود بين كل من افريقيا الوسطى والسودان والأخيرة وتشاد، ناهيك بالأساس عن الوضع الإنساني المأساوي.. فالمشردون خارج قراهم بلغوا حتى الآن ما يزيد على مليون ونصف المليون وهم كما قلت سابقا يعتمدون على ما تقدمه الاغاثات الأجنبية المهددة بالتوقف والرحيل لنفاد الموارد ولعدم توافر الأمان.

ـ في ظل الوضع المتدهور أمنيا وسياسيا كيف تقيم أسباب رفض الحكومة السودانية بإصرار وجود قوات دولية في اقليم دارفور والتي يرى المراقبون انها قد تمثل مخرجا للازمتين الأمنية والإنسانية خاصة وان الحكومة السودانية قد وافقت من قبل على وجود هذه القوات في أكثر من موقع على أرض السودان فلماذا الرفض إذن؟

ـ لا يمكن القول إن الحكومة السودانية بأكملها ترفض وجود هذه القوات الدولية خاصة وأن كلا من الحركة الشعبية و(حركة منى) المشتركتين بالحكومة القائمة حاليا تقبلان بوجود هذه القوات في دارفور ولكن من يرفض فعلا هو (حزب المؤتمر الوطني) .

والذي يهيمن ويقود تلك الحكومة مبديا أسبابا غير منطقية كالقول بعدم قبول أي قوات أجنبية على أراضيه متناسيا أن القوات الافريقية الموجودة في دارفور الآن هي بالأساس قوات دولية ومتناسيا أيضا وجود قوات دولية تابعة للأمم المتحدة موجودة حتى الآن على ارض السودان في كل من الخرطوم العاصمة وبعض مدن الشمال والجنوب السوداني وذلك بموجب القرار رقم 1590 الصادر من الأمم المتحدة..

وبالتالي لا يوجد سبب منطقي للرفض خاصة مع اعتراف القوات الافريقية بدارفور بعدم قدرتها بمفردها السيطرة على الأوضاع هناك.. ولكن السبب الحقيقي وراء رفض حزب المؤتمر يعود بالأساس لوجود قرارات دولية تجرم الحكومة السودانية وتحديدا من أعضاء هذا الحزب بسبب ما حدث من تجاوزات وانتهاكات في دارفور وهما القرارين 1591 و 1593 وبالتالي يخشى هؤلاء أن يؤدي وجود هذه القوات الدولية بدارفور إلى مطاردة ومحاسبة هؤلاء المسؤولين عما ارتكبوه من جرائم نسبت اليهم وذلك بموجب القراران الدوليين السابق الإشارة إليهما.

ـ ولكن هناك دول عربية عديدة بل والجامعة العربية أيضا أعلنت مساندتها للموقف الرسمي السوداني وترى انه لا توجد بالفعل ضرورة لوجود هذه القوات الدولية وان القوات الافريقية هناك كافية لحفظ السلام في اقليم دارفور؟

ـ هذا موقف عاطفي لان تلك الدول وجامعة الدول العربية تعلمان ان وجود قوات دولية بدارفور منطقي ومطلوب بشدة وذلك بناء على احتياجات فعلية وليس مجرد رغبات خاصة وان القوات الافريقية الموجودة هناك هي التي اعترفت بعجزها عن السيطرة وهى التي اقترحت أن يحال الوضع لقوات دولية وذلك فضلا عن مطالبات مؤيدة للأمر نفسه من قبل العديد من المنظمات المعنية بحقوق الإنسان في الغرب والشرق أيضا وفضلا وهو الأهم أن الجامعة العربية لا تقدم الب

ديل لنجدة الحالة الانسانية على الأقل في دارفور وهو ما يجعل موقفها الرافض لوجود القوات الدولية غير منطقي.

ـ بعيدا عن الأوضاع المتعلقة بالصراعات المسلحة كيف تقيم كمعارض للنظام السوداني القائم أبرز باقي المشاكل التي يعانى منها هذا النظام؟

ـ القضايا كثيرة جدا سياسية واقتصادية واجتماعية وفى مقدمتها قضية شرعية هذا النظام نفسه والذي جاء عبر انقلاب لا بانتخابات ثم دخوله في اتفاقيات سلام هشة في كل من الجنوب والشرق كما قلت سابقا باعتبارها وسائل لتحقيق السلام والاستقرار فإذا بها تتحول لجزء من المشكلة بسبب تجدد أعمال العنف العسكري واستمرار الشعور العدائي بين كافة الأطراف أي ان ما جاءت به حلا صار خللا.

ـ وماذا عن تقييمك لوضعية الحريات في المجتمع السوداني؟

ـ هي تعاني من مشاكل كثيرة جدا لان النظام السوداني القائم بالرغم من توقيعه على اتفاقيات السلام والتي اشترط عليه فيها الالتزام بالمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ونشر الحريات إلا انه لا يزال يمارس الانتهاكات ضد هذا وذاك ولا يزال يقوم ويتبع ممارسات شمولية وكأنه بالأساس لم يوقع على أية اتفاقيات.

ـ هل تعتقد أن الوضع كان سيتغير أو يختلف كلية إذا ما كنت لا تزال في موقعك السابق بالحكم والسلطة أم أن الأوضاع ربما ظلت على ما هي عليه الآن بالنسبة لقضايا الحريات فضلا عن احتمالية وجود أجندات غربية ضاغطة على عملية اتخاذ القرار فيما يتعلق باتفاقيات السلام وذلك بغض النظر أيا كان المسؤولون عنه؟

ـ لا.. فالوضع كان سيختلف كلية فبالنسبة لقضايا الحريات نحن كنا نظاماً ديمقراطياً وحكومة منتخبة لدينا قضاء مستقل وصحافة حرة مستقلة والآن لا يوجد كل هذا. أما فيما يتعلق باتفاقيات السلام فنحن بالفعل كنا بصدد عقد توقيع اتفاق سلام شامل مع الجنوب وذلك انطلاقا من مؤتمر جامع لكل القوى السياسية في السودان.. وكان من المزمع عقده في الثامن عشر من شهر سبتمبر إلا أن الانقلاب علينا أجهضه..

وكان الفارق المميز في هذا الاتفاق الجامع الذي كنا على وشك الوصول إليه أنه اولا: كان سودانيا خالصا بلا أي تدخل أو بعدا أجنبيا.. كما أنه لم يكن فيه أي حديث عما هو موجود باتفاق السلام الحالي مع الجنوب (اتفاقية نيفاشا) عن تقرير المصير للجنوب وهو الأمر المتوقع حدوثه في عام 2010..

وينفصل هذا الأخير عن السودان اذا ما استمر الانهيار في تلك الاتفاقية كما أوضحنا.. كما أن اتفاقنا كان سيعالج ايضا كافة القضايا المتعلقة بتوزيع عوائد الثروة النفطية وغيرها من الثروات والعلاقة بين السلطة وكافة القوى السياسية وكذلك السلطة واللامركزية والعلاقة بين الدين والدولة والهوية الثقافية.

ـ وأين كانت هذه القوى المعارضة للنظام وأنت في مقدمتهم مما يحدث؟ ولماذا لم يتم الاعتراض من جانبكم على أوجه النقص باتفاقيات السلام أو ما يقع من انتهاك للحريات؟

ـ نحن كمعارضة نعيش في هامش ضيق من الحرية كنتيجة لممارسات النظام الحالي كما سبق وأشرت وبالتالي توجد معاناة لدينا من حيث تفعيل نشاطنا السياسي بين الجماهير.. فالنظام يسمح لنا بالتعبير اللفظي أي الاعتراض بالحديث والكلمات ولكنه يرفض بشدة التعبير الحركي لما يقوم به ويتخذه من قرارات.

ـ وهل هناك توافق بين مختلف القوى السياسية المعارضة على مختلف القضايا الداخلية والخارجية؟ وكم يبلغ عدد هذه القوى؟

ـ هي تقريباً ستة أحزاب مدنية كبيرة تتمتع بالتأييد والشعبية... ونعم لدينا جميعاً توافق مشترك على مختلف القضايا وهناك تحالف يضمنا جميعاً ثم هناك أيضا ست فرق مسلحة موزعة ما بين الجنوب ودارفور وهؤلاء ليسوا في التحالف المدني للمعارضة وانما يشكلون مقاومة مسلحة خاصة بهم.

ـ وماذا عن علاقات السودان بجيرانه وأشقائه من الدول العربية؟

ـ الدول العربية بسبب الموقف الصادر عن الجامعة العربية تتخذ موقفا أشبه بالمتفرج وإن تدخلت فهي تتدخل بصفة تأييدية داعمة للموقف الرسمي السوداني.. والسودان والسودانيون لا يحتاجون لمثل هذا الدعم الرسمي ولكنهم يحتاجون لمن ينصح النظام والحكومة السودانية بالخروج من المأزق الذي حشرت نفسها فيه.. ولكنى اعتقد أن هذا الموقف من جانب تلك الدول العربية لا يؤثر بطبيعة الحال على علاقات الإخاء والحب الموجودة لدى الشعب السوداني تجاه أشقائه من شعوب كافة هذه الدول.

ـ كسياسي ومفكر كيف تقيم كثرة تفجر الصراعات في المنطقة مؤخرا؟ وهل هي جميعا ناتجة عن التدخل الأجنبي في شؤونها؟

ـ بالطبع هناك دور للتدخل الأجنبي في شؤون بلدان المنطقة ولكن بالأساس الصراعات الموجودة فيها لديها جميعا عامل وأساس محلي تستغله للأسف إسرائيل وقوى الهيمنة الخارجية لإحداث شرخ في الجسم العربي وذلك لصالح أجندات معادية.. فالعراق مثلا علته الأساسية الآن هو الاحتلال..

صحيح ان النظام البعثي كان نظاما شريرا نظرا لاستبداد صدام حسين بالحكم وتهديده لجيرانه وبدخوله لمغامرات دولية جرت على العراق ويلات عديدة.. وهو بالمناسبة سيناريو قد يتكرر بنفس نهاية هذا الحاكم في أي بلد عربي آخر.. إلا ان الطريقة التي تم بها علاج مشكلات هذا النظام البعثي كانت أكثر ضررا ليس على العراق فقط بل على المنطقة كلها.. فداخليا هناك الصراع بين السنة والشيعة.

والذي للأسف يستغل من قبل قوات الاحتلال لتحقيق أغراض الأخير في تحويله لما يشبه الحرب الأهلية بين أتباع المذهبين من أبناء العراق.. أما اقليميا فقد خلق هذا الاحتلال الخارجي للعراق خلافات سياسية كبيرة بين جيران الأخير.. وهى خلافات للأسف باتت تستغل من قبل القوى الخارجية المهيمنة على المنطقة عند حدوث أي مواجهات بينها وبين بلدان المنطقة العربية.

والأمر كذلك في فلسطين فلا يوجد شك أن الانتخابات التشريعية الأخيرة أظهرت تأييد قطاع كبير من الشعب لحركة المقاومة الاسلامية (حماس) وكنت أتوقع من الأخيرة غداة تشكيل حكومتها أن تتعامل مع الأوضاع بصورة تشرك الآخرين معها في وحدة وطنية فلسطينية حتى تستطيع أن تواجه التدابير المعادية لها في الغرب وكذلك حتى يستطيع الفلسطينيون جميعا بلا نزاعات داخلية مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.. ولكن ما حدث أن النزاع بين حركتي حماس وفتح أدى لما يشبه الحرب الأهلية الفلسطينية..

وكنا حين نقول ان ما يحدث من اقتتال بينهما هو أكبر انجاز لإسرائيل ويجب ان يتجنبوه ولكن الأمر استغرق وقتا إلى ان تم اتفاق مكة لتشكيل حكومة وحدة وطنية وهو ما رحبنا به بشدة، ونرجو أن يكون قد نزع فعليا فتيل هذا النزاع الفلسطيني ـ الفلسطيني خاصة وأنه بالأساس لا يوجد شيء يتنازع عليه فما هو مطروح لهم الآن في فلسطين ليس أكثر من صلاحيات بلدية ناقصة السيادة والأموال وكل شيء فالوضع الحالي في فلسطين وضع ناقص.

ـ تحدثت عن مخاطر اشتعال الحرب الأهلية بين السنة والشيعة في العراق.. فماذا عن الحديث المتردد عن تعاظم الخطر الشيعي في السودان؟

ـ مجرد الكلام عن هذا الطرح بتعاظم هذا الخطر سخيف، فالسودان وكل البلدان العربية مفتوح أمام التأثيرات الدينية والمذهبية وبالتالي لا يوجد منطق للحديث عن هذا الخطر الشيعي.. فالمسلمون في كل مكان أمامهم اجتهادات مختلفة وهم أحرار فيما يختارون ما يريدون.. أما فيما يتعلق بالصراع بين المذهبين السني والشيعي فهو حقيقة تاريخية.. وحقيقة تاريخية أيضا أنه لا يمكن حسم هذا الصراع بينهما بشكل يضمن حرية كل فريق في أن يدعو لمذهبه ويجتهد في هذا وذلك من منطلق أنه لا إكراه في الدين.

ـ كمفكر إسلامي واجتماعي ما هي الأسباب التي أدت اذن لتجدد الشعور بهذا الصراع المذهبي رغم أنه حسب قولك موجود على مدار عصور سابقة؟

ـ في الماضي كان هناك نوع من التوازن بين المذهبين السني والشيعي وذلك من خلال سلطة الدولة العثمانية في المنطقة العربية وسلطة الدولة الصفوية في إيران واستمر هذا التوازن لمدة قرون طويلة ثم فجأة حدث له نوع من الاختلال في الربع الأخير من القرن الماضي واستمر في بداية القرن الحالي وذلك لأسباب عدة أولها تفجر الثورة الإسلامية في السبعينات في إيران.

وما كان من تعزيز لشأن وموقف الشيعة في المنطقة بفضل نجاح تلك الثورة.. ثم هناك ما حدث في لبنان أيضا من بروز قوة الشيعة في كل من حركتي أمل وحزب الله وتصديهما لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب اللبناني.. ثم نجاح حزب الله تحديدا في الصمود بقوة لهذا الاحتلال وإحراز مكاسب على حسابه .

هو أيضا ما أدى لزيادة النفوذ الشيعي.. وأخيرا جاء العراق ثم هناك أيضا السعي الإيراني لامتلاك السلاح النووي.. ولكنني أكرر أن امتداد المذاهب يجب أن يكون بالاختيار لأن هذا جزء من حقوق الإنسان المسلم لأنه لا إكراه في الدين، أما الامتداد بالقوة والإجبار فهو مرفوض تماما.

ـ ولكن البعض يرى أن هذا الامتداد المذهبي للشيعة سيوازيه بالتأكيد امتداد لنفوذ وسياسات دول بعينها في المنطقة؟

ـ طبعا هناك ناس يستطيعون دعم موقفهم، ولكن أكرر أن المهم في نهاية المطاف ألا يكون هناك إكراه فيما يتعلق باختيار المذهب الديني، كما أننا لا نستطيع القول ان منطقة معينة تحتكر لمذهب من المذاهب لأن الناس أحرار فيما يريدون وأنا شخصيا اقترحت ميثاقاً للتعايش بين السنة والشيعة يقوم أول ما يقوم على التعامل بالحسنى.

ـ هناك تقديرات تذهب أيضا إلى أن كل شعوب المنطقة العربية تتجه نحو المزيد من الحكم الديني مدللين على ذلك بفوز حماس بفلسطين وتصاعد تيار الإخوان المسلمين في مصر؟

ـ أنا أرى كل هذه الحماسة الأخيرة ما هي إلا نتيجة وردود فعل للعدوان الخارجي على المنطقة وكلما زاد هذا الأخير كلما زاد عدد من سيلجأون إلى الدين.. وفى كل الأحوال فأنا من الذين سيظلون ينادون بأن الدين كان ومازال وسيستمر عنصرا مهما جدا في الحياة العامة وفى السياسة، ولكن الذي يجب أن نحرص عليه هو ليس ما يقوله العلمانيون من كلام فارغ بضرورة إبعاد الدين عن السياسة.

والذي هو أمر غير ناجح أو غير مطبق في أي مكان بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية نفسها، وانما يجب أن نحرص على ضرورة الفصل بين الدين والتعصب وما بين الدين والعنف ومابين الدين والإكراه ومابين الدين وحقوق الإنسان، فهذه هي المبادئ التي يجب أن نحرص عليها خاصة وان الدين بالأساس يحتوي ويقوم على هذه المبادئ، وذلك بما أقر فيه من تسامح وتأكيد على حقوق الإنسان وكرامته، هو إذن يؤسس أخلاقيا لحياة المجتمعات ونظمها فلماذا يستبعد؟.

ـ وما هو تقييمك لتطلع بعض هذه الجماعات الإسلامية في الوصول للحكم وتحديدا نموذج جماعة الإخوان المسلمين في مصر وهو الأمر الذي تقابله مخاوف متعددة من القوى الليبرالية وايضا وبشكل اكبر من الأقباط؟

ـ بشكل عام يجب قبول التطلع الديني في المنطقة ولكن بشروط أن تلتزم تلك الجماعات أو القوى الدينية أولا بحقوق الآخرين وبالمساواة في المواطنة وبحرية العقيدة للجميع وأيضا بالتناوب السلمي للسلطة على أسس الانتخاب الحر.. فإذا ما التزمت هذه الجماعات الدينية بكل هذه الشروط السابقة فيجب أن يتاح لها حرية العمل أما اذا انحرفت فلابد اتخاذ موقف حاسم ضدها شريطة أن يكون هذا الإجراء أو الموقف ضد هذه الجماعة أو التيار الذي أخل بالشروط لا ضد الإسلام نفسه كدين وعقيدة.

ـ ولكن البعض يتخوف أيضا وتحديدا مع نموذج جماعة الإخوان المسلمين في مصر أن يكون قبولهم بهذه الشروط مرحلياً فإذا ما وصلوا للسلطة انفردوا بها دون غيرهم إلى الأبد؟

ـ لكل حادث حديث ولا يمكن أن نحاكم أحدا بالنوايا وإنما بما يقوله ويفعله وعلى كل الأحوال فإن أي تجربة تقوم على الدين كتعصب وإكراه وإقصاء للآخرين وانفراد مطلق بالسلطة فلابد أنها ستهزم وستحقق نفس الإخفاق والفشل الذي منيت به الحركة الإسلامية في السودان وهي فاشلة بحق.. أما اذا التزمت في تطلعها للسلطة بالمحافظة على الحريات العامة و لجأت للسلم الديمقراطي فلا يجب أن يكون هناك تخوف منها خاصة وأنه لا يستطيع أحد في النهاية فرض وصايته على أحد.

ـ في المقابل ما هو تقديرك لتعاظم الشعور الغربي من الخطر الإسلامي والحديث عن صراع الحضارات الذي انتقل من مرحلة الفكر والتنظير إلى مرحلة الواقع؟

ـ أرى أن الغرب هو اللاعب الرئيسي والأكبر في وجود هذا الشعور أو الصراع بالأساس لأنه طالما بقي الظلم في فلسطين وفي العراق عبر الاحتلال وطالما بقيت الوصاية على دول المنطقة والهيمنة عليها ودعم النظم الاستبدادية فيها لطالما بقى وتنامي الشعور العدائي للغرب أي ان الأخير هو الذي يثير الاحتجاج ضده وعليه أن يراجع نفسه بإيجاد حل عاجل للقضية الفلسطينية .

وإنهاء الاحتلال في العراق ورفع يد الوصاية على المنطقة عبر النظم العملية ولابد من تحقيق ذلك كجزء من إفراغ شحنة العداء في المنطقة.. فالحديث عن أنشطة عدائية له في المنطقة لابد أن يتبعه حديث عن مدى مساهمته هو ـ أي الغرب ـ في بروز هذه الأنشطة، خاصة وأنه قد صار ملاحظا وجود نوع من التحالف غير المقدس مابين الاحتجاج القائم على العنف العشوائي في المنطقة ومابين الهيمنة التي تفرضها بعض التيارات في الغرب..

ولابد للخروج من هذه الحلقة الحلزونية وضع تصور لإمكانية التعايش السلمي بين المسلمين الغرب ولكن على أساس العدالة لأنه دون هذه الأخيرة لن يكون هناك سلم وأكرر أن الغرب بسياسته الخرقاء هو المسؤول الأول عن تنامي الشعور العدائي ضده ونشوب هذا الصراع.

ـ وهل ترى أن هناك أملاً في تغيير تلك السياسات الغربية من خلال تقييمك لما يحدث من تحركات وتغيرات على الساحة الدولية؟

ـ نعم فأنا أرى أن العالم قد استيقظ لخطر التحالف الذي قام بين المحافظين الجدد واليمين الإسرائيلي.. والآن بدأت دول كثيرة وفي مقدمتها دول وشعوب أوروبا تشجب نهج الهيمنة الأميركية التي دفع بها المحافظون الجدد.. والآن أيضاً هناك حركة كبيرة يمكن أن نطلق عليها «انتفاضة انتخابية» في دول أميركا اللاتينية وهي أيضاً ضد هذا النهج.

والاهم من هذا كله هو انتفاضة الشعب الأميركي نفسه والتي تمثلت في انتخابات التجديد للكونغرس في نوفمبر 2006 حيث جاءت ناقضة لهذا الخط نقضا أساسيا وخسر المحافظون وكسب الديمقراطيون.. ثم هناك أيضا تقرير لجنة بيكر ـ هاميلتون والذي رفض وانتقد السياسات الأميركية في العراق.. أي أنه يمكن القول ان سياسة الهيمنة الأميركية التي روج لها المحافظون الجدد وأدت لتحالف غير مقدس بينهم مع اليمين الإسرائيلي وألهبت المنطقة في طريقها للأفول وأنه من الممكن أن ينشأ «تحالف نوراني جديد» بين شعوب العالم حول سلام عادل وشامل.

القاهرة ـ سباعي إبراهيم