دفعت الحرب وقلة الأرزاق، الكثير من العراقيين إلى البحث عن قوتهم في مكبات النفايات. وتمثل الطفلة هدى حمدان (13 عاما) التي كانت تجلس وسط أكوام من القمامة في مستودع للنفايات في بغداد الجانب الإنساني لتقرير جديد للأمم المتحدة يقول ان ثلث سكان العراق الذي تمزقه الحرب والبالغ عددهم نحو 26 مليون نسمة يعيشون تحت خط الفقر.

وكانت الفتاة التي ترتدي حجابا أسود تأخذ قسطا من الراحة خلال عملية البحث عن علب الالمنيوم والزجاجات البلاستيكية التي تقوم ببيعها مقابل بضعة دنانير قليلة.

وتحاول الفتاة منع نفسها من التقيؤ بسبب الرائحة النتنة للمخلفات المنزلية المتحللة المحيطة بها. وتتنافس هدى وإخوتها وأخواتها الستة في عملها مع عشرات آخرين بينهم كثير من النساء والأطفال شردتهم أعمال العنف الطائفي التي دفعتهم للفرار من منازلهم واللجوء إلى حي مدينة الصدر الذي تسكنه أغلبية شيعية.

واتخذت عشرات الأسر الشيعية النازحة، من مستودعات القمامة، ملجأ لها حيث تعيش في ظروف غير صحية داخل خيام أو أكواخ بدائية مصنوعة من علب الزيت أو تحتل مباني خالية وتحاول البحث عما يسد رمقها.

وقالت هدى انها فرت هي وأخوتها من مدينة الفلوجة التي تعد معقلا للمسلحين السنة غربي بغداد بعدما قتل قناص أميركي أمها. ويعيش هؤلاء اليوم مع جديها وأقارب لهم في مدينة الصدر.

وتقول هدى بصوت رقيق «نحن فقراء. لا نملك شيئا»، ورفعت يدها اليمنى ونزعت عنها قفازا باللونين الأزرق والأبيض مصنوعا من الصوف ترتديه لحماية كفها المصابة من الأوساخ وقامت بحذر بفك ضمادة كانت نظيفة بشكل مدهش. وتسبب الباب الخلفي لشاحنة تنقل النفايات في قطع إصبعها الصغير عندما تزاحم الباحثون عن علب البلاستيك والالمنيوم حول الشحنة محاولين البحث فيها قبل أن تلقي بها الشاحنة فوق كومة القمامة.

وتشير تقديرات مفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين إلى وجود 6,1 مليون نازح عراقي، بينهم 425 ألفاً فروا من منازلهم بعدما أثار تفجير مرقد الإمامين الحسن العسكري وعلي الهادي في سامراء في فبراير 2006 موجة من العنف الطائفي.

وتنتشر الأمراض والعدوى بين هؤلاء. وليس من الصعب معرفة السبب اذا أدير النظر حول مستودع القمامة. فالرجال والنساء والأطفال الذين تكسو ملابسهم طبقة سميكة من الأوساخ، يخوضون في برك مياه نتنة أو يتسلقون الجبال بحثا عن القمامة، ويقومون بالتنقيب في النفايات باستخدام قضبان معدنية طويلة مقوسة لإخراج العلب.

وكان حظ سيف (15 عاماً) جيدا. وقال «وجدت هذا» وكان ممسكا بأربعة أرغفة خبز . وقال «سننظفها ثم سنتناولها في الفطور. لا نملك مالا لشراء طعام».

وغير بعيد من المكان كان علي اليتيم الذي يبدو أقل من سنين عمره العشر يسحب كيسا أبيض كبيرا مملوءا بعلب المشروبات، ذاهبا بها إلى ميزان تاجر خردة محلي دفع له 2000 دينار عراقي (5 .1 دولار) بعدما تأكد من أنه لم يضع طوبا بالكيس لزيادة الوزن.

واضطر جواد حبيب (21 عاماً) للنزوح عن منزله في حي أبو غريب معقل السنة في الضواحي الغربية لبغداد. وحصل على وظيفة كعامل بناء باليومية غير أنه ذهب إلى مستودع القمامة بعدما فجر مهاجم انتحاري نفسه وسط مجموعة من العمال.

غير أنه وجد الخطر كامنا أيضا هناك وسط الحطام المتعفن. وقال «عثرت على قنبلة وأبلغت الشرطة» وكان حبيب محظوظا. فقد قال باحثون آخرون وسط القمامة ان فتاة صغيرة قتلت في انفجار.

ويشير تقرير برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة، إلى أن محنة علي وهدى وسيف وجواد هي نتيجة «أزمة سياسية وأمنية شديدة التعقيد مع عدم وجود حل سريع فيما يبدو».

وقال باولو ليمبو مدير البرنامج في العراق ل«رويترز» في مقابلة من عمان «تواجدت في مناطق صراع على مدى 22 عاما. العراق لا يشبه أي مكان آخر على وجه الأرض».