أكدت وزيرة الخارجية اليونانية دورا باكويانيس، على دعم اثينا لاتفاق مكة، وتمسكها ب«خريطة الطريق» سبيلا لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، كما شددت في حوار مع «البيان» على ضرورة المصالحة العراقية الداخلية وصون الأراضي العراقية من التقسيم، للخروج من الأزمة الحالية.

واعترفت الوزيرة اليونانية في حوار مع «البيان»، بالدور الاقليمي المهم لإيران، واعتبارها عامل استقرار في المنطقة، لكنها لفتت إلى ضرورة الالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. تاليا نص الحوار، الذي اجري مع الوزيرة اليونانية خلال زيارتها، في الآونة الأخيرة، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة:

* هذه هي الزيارة الثانية لمسؤول يوناني لدولة الإمارات، ما نلمسه هو حماس يوناني تجاه الإمارات ما الذي تهدفون إلى تحقيقه من خلال هذه الزيارة؟

ـ الإمارات دولة رائعة حقا والكرم الذي استقبلنا به كان رائعا جدا أيضا، جئنا كأصدقاء قدامى وكان لدينا فرصة ثانية للتأكيد على العلاقات الثنائية الممتازة بين البلدين، وبالفعل تلك هي الزيارة الرسمية الثانية لوفد يوناني، حيث كان قد زار الإمارات رئيس الدولة اليوناني بابيولايس في نوفمبر الماضي، وحضورنا لدولة الإمارات يؤكد التزامنا المستمر والملموس نحو إبقاء وتعزيز علاقاتنا بالعالم العربي بشكل عام والإمارات بشكل خاص.

وانطلاقا من هذا الشعور نعتقد بأنّ العلاقات الاقتصادية بين البلدين يمكن أن تتعمّق بشكل أكبر، كما أن هناك إمكانية عظيمة لتعاون اقتصادي بناء بين البلدين وبخاصة أن هناك العديد من الفرص التجارية والاستثمارية تنتظر اكتشافها، وكان لي شرف قيادة وفد اقتصادي وسياسي مطلع تضمّن أكثر من 90 من الممثلين عن مجتمع الأعمال التجارية في اليونان يمدون أيديهم نحو نظرائهم في دولة الإمارات من أجل الشراكة والتعاون بينهما.

* معروف عن اقتصاد اليونان انه يعاني من أعلى مستويات تضخم في أوروبا، هل مازال الأمر كذلك وما الإجراءات التي اتخذتموها لخفض تلك المستويات؟

ـ نتمنّى بأنّ تعرف اليونان بما حققته في الوقت الراهن وليس ما كانت عليه في الماضي، فكون اليونان أصبحت جزءا من منطقة اليورو منذ عام 2001 فقد زودها ذلك بالاستقرار الدقيق والكبير. فنسبة التضخم في الاقتصاد اليوناني آخذة في الانتقاص بمعدلات ثابتة، ونحن نؤمن بأن معدلات التضخم ستستمر في الانخفاض، فحكومة اليونان تبنت سلسلة من الإجراءات لكي تتمكن من مخاطبة العديد من القضايا الاقتصادية والتي ساهمت في اعاقة اليونان للوراء في الماضي.

ودعيني أعطيك بضعة أمثلة على ذلك، ففي عام 2004 بلغ عجز الميزانية لدينا 8, 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذا العام نتوقع انخفاض هذا العجز إلي نسبة 4 ,2% وهي نسبة أقل بكثير من النسبة التي حددها الإتحاد الأوروبي وهي 3% حيث لا ينبغي أن يتجاوز العجز في ميزانية دول الإتحاد الأوروبي تلك النسبة، ثانيا لقد حفزنا المنافسة من خلال تصميم دقيقي لبرنامج الخصخصة.

ثالثا لقد مررنا بسلسلة من تخفيضات النسب الضريبية المتعلّقة بالشركات وجدّدنا إطارنا القانوني لكي يعطي حوافز قوية لمزيد من الاستثمارات. وتلك بعض الأمثلة للإجراءات التي طبقت لكي تتمكن بيئة الأعمال لدينا من الازدهار.

* لنتتقل للشأن السياسي، كيف تنظرون إلى عودة الحركات اليسارية الراديكالية على شاكلة حركة «17 من نوفمبر» اليونانية، وهل عادت الحركة هذه إلى سابق عهدها، أم أنها عادت للظهور بهوية جديدة تحت تسمية جديدة، وهل تقف تلك الحركة وراء الهجوم الذي استهدف السفارة الأميركية في اثينا مؤخراً، وما هي الإجراءات التي ستتخذونها لمواجهة تلك الحركات؟

ـ لقد قطعنا شوطا كبيرا في محاربة الإرهاب الداخلي، و طبقنا إجراءات شاملة لاستئصال الشبكات الإرهابية المحلية. كما قدمنا مساعدات كبيرة على مختلف الجبهات في الحرب ضد الإرهاب، حادثة تفجير السفارة الأميركية في اليونان كانت محزنة حقا ونحن ندينها بشكل كامل، وأود هنا على أن أشدد على أن تلك الحادثة نعتبرها حادثة منعزلة.

كما أن الجماعة الإرهابية التي ذكرتها (17 نوفمبر) تم تفكيكها وعناصرها تجرى الآن محاكمتهم. ودعيني أكون واضحة جدا فإن الشراكة والتعاون واحترام أصدقائنا وشركائنا وحلفائنا، تعد قيما مهمة جدا بالنسبة لنا، ونحن نولي أهمية كبرى في المحافظة عليها، كما أننا نتعهد بمعالجة أي شكل من أشكال العنف، الذي من شأنه أن يعرض للخطر التحالفات والصداقات التي بنيناها على مر السنين. ودعيني أكون واضحة هنا وأقول لن نسمح بوجود في اليونان الإرهاب ولن نتسامح بشأنه.

* كيف تنظرون إلى وضعية جزيرة قبرص المقسمة لشطرين، في ما يتعلق بالنزاع القائم بين الإتحاد الأوروبي وتركيا، وكيف سيكون تأثيره على مستقبل عضوية تركيا الكاملة في الإتحاد الأوروبي؟

ـ نحن نؤيد الجوار الأوروبي، كما أن مساندة المستقبل الأوروبي لجنوب شرق أوروبا كان قرارا استراتيجيا بالنسبة لنا. ونحن نؤمن بأن هذا المستقبل يتبنى السلام ويخلف الأمن ويمنح مساحة للتطوير الصحي والمزدهر للإقليم.

تركيا، بالطبع، جزء من هذه المنطقة ونحن ندعم توجهاتها الأوروبية بالكامل. ونريد لتركيا أن تكون شريكنا الأوروبي ونحن ندعم طريقها الطويل والصعب للإصلاحات. لكن تعاون تركيا مطلب ضروري، حيث تستند العضوية الأوروبية إلى إنجاز الشروط المسبقة والمعايير التي طبقت والمستمر تطبيقها، وهذا الأمر ينطق على كلّ البلدان التي تسعى لأن تكون لها عضوية في الإتحاد الأوروبي.

تركيا أيضا تعهدت بسلسلة من الالتزامات والوعود تجاه 27 دولة من الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي، وبتطبيق «بروتوكول أنقرة» تجاه جميع دول الإتحاد الأوروبي من ضمنها قبرص والتي لها موقع مهم بين تلك الدول، وموقفنا كان دائما واضحا جدا وهو: الالتزام الكامل ب« eriatuanummoc siuqca»، والتي ستقود إلى عضوية تركيا الكاملة بالإتحاد الأوروبي.

* كيف يمكن حل المشكلة القبرصية التي لاتزال عالقة؟

ـ نيقوسيا هي العاصمة المنقسمة الأخيرة المتبقية في العالم، واليونان لاتزال تواصل إلتزامها في ما يتعلق بإيجاد حل فعال يفضي إلى إعادة توحيد قبرص.

وهذا الحلّ يجب أن يكون مستندا على العمل السابق الذي كانت قد بدأته الأمم المتّحدة بقرارات مجلس الأمن ذات العلاقة. كما يجب أن يكون الحل كذلك مستندا على المبادئ وقيم الإتحاد الأوروبي والذي تعد قبرص عضوا فيها. وأعتقد أن تلك هي أفضل الطرق التي من شأنها أن تمكن الجانبين من التحرك إلى جانب بعضهم البعض نحو مستقبلهم الأوروبي المشترك.

الاتهامات الأميركية الأخيرة لإيران بالتدخل في زعزعة أمن العراق، هل ترينه كضغط دبلوماسي أم تحضير للحرب؟

ـ إنّ الترابط اليوم في عالم تسوده العولمة غير قابل للجدال. فكلنا أثّرنا وتأثرنا بالبلدان الأخرى. هذه حقيقة يستحيل نكرانها. وهذا ينطبق بدرجة أكبر على البلدان المتجاورة كتجاور إيران مع العراق، لذلك تعد إيران عنصرا أساسيا في مستقبل العراق. كما تعد أيضا عنصرا رئيسيا لاستقرار المنطقة بأكملها. وفي الوقت نفسه من المهم الإصرار على مبدأ عدم التدخّل. كما أن سيادة ووحدة العراق الوطنية يجب أن تحترم.

يبقى برنامج إيران النووي والذي يعد قضية مفتوحة من الضّروري أن تخاطب. فالجهود الدبلوماسية المكثفة صممت لحل القلق الرئيسي الناتج عن تلك القضية. ونحن نحض إيران للمبادلة وللانضمام إلى المجموعة الدولية في جهوده نحو السلام.

* هل تعتقدين بأنّ الخطة الأمنية الجديدة في العراق ستنجح؟ وما المطلوب عمله للحؤول، برأيك، دون انزلاق العراق لحرب أهلية؟

ـ نحن نؤمن بسلامة الأراضي الإقليمية والسيادة الوطنية للعراق. وأي تحرك لتقسيم العراق أمر غير مرغوب فيه من قبلنا ومن قبل شركائنا وحلفائنا، علينا أن نعترف بأن الوضع في العراق صعب جدا. ومن الضروري للعراق أن يحقق المصالحة الوطنية. ومن وجهة النظر اليونانية فإن جميع الإجراءات التي من شأنها تقوّية المجتمع المدني وإشاعة التفاهم بين كيانات العراق المختلفة الدينية منها والعرقية فهي موضع ترحيب من جانبنا.

كما أن أيّة جهود واقتراحات نحو تحقيق ذلك الهدف مرحب بها أيضا ومستحقّة للاعتبار. فنحن نسمع عن الوفيّات غير المعدودة في العراق بشكل يومي، وهذا الألم والحزن والإرهاب وعدم الأمان لا يمكن دعمه. فالشعب العراقي يمتلك الحقّ في العيش الكريم في دولة ذات سيادة تمنحهم الفرص والنمو والاستقرار والسلام.

* في ضوء اتفاق مكة المكرمة بين حركتي «فتح» و«حماس» الفلسطينيتين، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، هل تعتقدين بأنه إذا ما تحققت تلك الخطوة فستؤدّي إلى رفع الإتحاد الأوروبي لحصاره المفروض على الفلسطينيين؟

ـ لقد رحّبت اليونان بالاتفاقية التي توصلت إليها الأطراف الفلسطينية مؤخرا في مكة المكرمة. والحقيقة بأنّ القيادة الفلسطينيّة كانت قادرة على الجلوس والموافقة على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينيّة، هي خطوة متفائلة للأمام وإيجابية.

وفي الحقيقة نحن ننظر إلى تلك الخطوة على أنها خطوة مهمة جدا نحو إنهاء العنف في الأراضي الفلسطينيّة. فالسلام والاستقرار يجب أن يكونا بديلين عن الإرهاب وعدم الأمان.

لقد حان الوقت الذي يجب أن نسمح فيه لكل من الإسرائيليين والفلسطينيين العيش بسلام.

كذلك حان الوقت بأن يحصل الطرفان على الفرصة لإدراك أحلامهما. فكلاهما يستحقّ العيش في بيئة تسمح لهم بتحقيق إمكانيتهما الكاملة؛ بيئة تسمح لهم بالتطوير وتحقيق النجاح.

* وهل ترين انه لا يزال هناك أمل في إحياء خطة خريطة الطريق، وما المطلوب لإعادة جميع الأطراف مرة أخرى إلى طاولة المفاوضات؟

ـ لايزال لدينا آمال تجاه خريطة الطريق. كما أن اليأس وانعدام الأمل سيناريوهات لن تساعد على تقدم تلك العملية. ينبغي أن نثابر في جهودنا لبذر بذور السلام والأمن ومراقبة نموها.

لقد عملت اليونان بثبات نحو تحقيق السلام والاستقرار في الشرق الأوسط. ونتّفق مع العديد من شركائنا سواء داخل وخارج الإتحاد الأوروبي أن القضية الفلسطينيّة تعد قلب المشكلة. لهذا أولينا القضية الفلسطينيّة أولوية قصوى خلال العامين اللذين كنا خلالهما أعضاء غير دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. لهذا أيضا ملأنا جدول أعمالنا أثناء رئاستنا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي.

لقد صوتنا مرارا وتكرارا وبشكل واضح ومفتوح ونبوعا من إيماننا العميق بضرورة دفع عملية السلام في الشرق الأوسط للأمام. فنحن نحتاج للانتقال من إدارة الأزمات إلى حل الصراعات. أي ينبغي التوصل إلى تحقيق وضعية تمكن كل من الإسرائيليين والفلسطينيين من العيش بسلام جنبا إلى جنب وتحقيق الازدهار بعيدا عن العنف. وإن مثل هذا الحل سيؤدي إلى تحقيق نوع من الاستقرار والنمو كما سيستبدل الإحساس بالخوف بالأمل. اعتقادنا كان ولايزال بانه لا ازدهار من دون أمن ولا أمن من دون حكمة. فالحكمة تملي جهدا جماعيا وتعاونا وشراكة.

* كيف تقيمون الوضع المتأزم في لبنان؟

ـ لبنان تمثل منطقة أخرى من الاهتمام المتبادل العميق بين اليونان والإمارات العربية المتحدة، ويبقى السلام هشّا في لبنان، لذلك نحن نحتاج للعمل بسرعة كبيرة من أجل جعل لبنان مكانا آمنا للعيش. ونحن لسنا لوحدنا في هذا الجهد؛ اذ نقف متّحدين الى جانب شركائنا الأوروبيين. لقد رد الإتحاد الأوروبي بسرعة كبيرة بشكل فعال، خلال الأزمة التي عصفت بلبنان منذ اللحظات المبكرة جدا من نشوب تلك الأزمة.

واليوم، تشكّل قوات أوروبية قوّة حفظ سلام مهمة وجديرة بالثقة في جنوب لبنان. وفي الوقت نفسه كانت أوروبا في مقدمة من زود لبنان بمساعدات إنسانية لإعادة بنائه. أنا متأكّدة من أنكم تتفقون معي في أهمية الحضور الأوروبي في لبنان، والذي يشكّل عاملا مهما في مستقبل الشرق الأوسط ككل. حضورنا يمكنا من لعب دور أكبر وأنشط في تعزيز السلام والأمن في المنطقة الأوسع.

لبنان أيضا بلد عزيز جدا على قلوبنا بشكل ثنائي. وفي الحقيقة قامت اليونان بالرد فورا في ما يتعلق بعملية إخلاء المواطنين الأجانب، وكذلك في تزويد لبنان بالمساعدات الإنسانية من خلال التعاون مع شركائنا، كما ساهمنا بشكل مكثف وكبير في تهيئة قرار مجلس الأمن والتي وضعت حدّا للصراع الذي كان دائرا هناك.

* أخيراً كيف تقومون توجه دول مجلس التعاون لاقتناء الطاقة النووية السلمية؟

ـ اليونان تدعم استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية. دعمنا هذا التوجه لعقود طويلة إلا أننا نعارض وبقوة استخدام التقنية النووية كسلاح حرب، في الحقيقة أن التوجه للحد من انتشار أسلحة الدمار الشامل قضية نقف كتفا بكتف مع الإمارات العربية المتحدة بشأنها وهي منطقة فهم متبادل وقيم مشتركة ما بين البلدين، نحن مسرورون بكوننا نسير على الموجة ذاتها مع دولة الإمارات فيما يتعلق بتلك القضية الحاسمة تماشيا مع مبدأ مستقبل الإنسانية..

حوار: كفاية أولير