سجل قدماء المصريين على جدران مقابرهم في البر الغربي لمدينة الأقصر في صعيد مصر، اهتمامهم بالحياة الآخرة كما هو الأمر في الحياة الدنيا.

فقد أظهرت نقوش تلك المقابر، حرص المصريين القدماء على المساهمة في الأعياد، واستقبالها بمظاهر البهجة والسرور ومشاركتهم في تلك الاحتفالات بكل جوارحهم وأسرهم، إما بالمشاهدة أو المشاركة الفعلية في مواكب الاحتفالات.

كما أظهرت النقوش مدى اهتمامهم بطقوس الحزن، فصورت النساء الحزينات على جدران مقصورة مقبرة الوزير «رعموز»، أو «رع موزا»، ومقبرة كل من النحاتين «آمون»، و «ابوكي»، اللذين عاشا في أيام الملك أمنحتب الثالث، على سبيل المثال لا الحصر، وهن في ثياب الحزن تندبن وتضربن صدورهن، كما تضعن التراب فوق رؤوسهن.

وتظهر زوجة المتوفي في كثير من الأحيان وهي تبكي أمام مومياء زوجها. ولم تختلف تلك الطقوس عنها في صعيد مصر، غير أنه من ضمن الموروثات، أن تطلق المرأة صرخة عالية مروعة مصحوبة بكلمه «بو»، وهي كلمة فرعونية تعني «يابؤسي ويا شقائي ويا ألمي».

ساعتها وعلى دوي تلك الصرخة يهرع الجيران رجالاً ونساء إلى مصدر الصوت، وعلامات الأسى والحسرة ترتسم على وجوههم. وهنا تجتمع النسوة من الأهل والجيران أمام بيت المتوفي يصرخن ويبدين حسرتهن في مجاملاتهن لأهل المتوفي.

وبعد تمام مراسم تشييع الجنازة ودفن المتوفي تقام مراسم الحداد أربعين يوماً. ويرجع تحديدها أربعين يوماً إلى عادة التحنيط عند الفراعنة. غير أن تلك الليالي في صعيد مصر تميزت بطابع خاص عن غيرها من مدن وريف الوجه البحري في مصر، فبالإضافة إلى الصورة المتآلف عليها من بكاء وصراخ وكذا الحداد بالملابس السوداء نجد «العدّيد»، والذي يعد لوناً من ألوان الأدب الشعبي المميز لبيئته، يتلمس مفردات كلماته ومعانيها التي تحمل المشاعر الحزينة، وبشكل يثير شجن مستمعيه، فهو أشبه بشعر الرثاء يغلب عليه طابع موسيقي في إلقائه.

ولاتزال بعض عجائز الصعيد من النساء تحفظنه، ولكن لاتزاولن إنشاده إلا في حدود ضيقة. ومع ذلك، ظلت الأجيال تتوارث بعض ألفاظه وتحاول الاحتفاظ بالطابع الموسيقي، فهو يعتمد على المقطوعات، التي تتكون من بيتين يتضمنان أربع شطرات وليس على قصائد مثل شعر الفصحى.

وتشير الأبحاث المتخصصة إلى أن هناك بعض «المعددات» المحترفات اللاتي يتخذن منه حرفة يتقاضين عنها أجرا كما في شمال مصر، وليس لهن صدق العاطفة والمشاعر، خلافاً لما في الريف والصعيد فهن من سيدات الأسرة نفسها.

وتجلس «المعددة» لتصبح سيدة المأتم وقائدته من خلال حصيلتها التي لا تنفد من «العديد»، ومقدرتها على التصرف في فنونه حسبما يتطلب الموقف والمقام ومن حولها من النساء، وتروي اعتدال محمد، وهي من عجائز الأقصر في صعيد مصر، أن نساء الأسرة حين يموت لهن شاباً أو عزيزاً يلتزمن بمظاهر الحزن حتى يموت شخص آخر بل. وأكثر من هذا، فبينما كان الناس في المواسم والأعياد يتمتعون بمظاهر البهجة والسعادة، كان نساء من أهل الميت يجتمعن وحولهن المواسيات ليقلن «العديد»، وهو ما يسمينه «الوحيش» بكسر الحاء، وتعني أن الميت وحش أهله. وبعد الانتهاء من مراسم الجنازة، يأتي دور اجتماع النسوة لتقلن «العدّيد».

وفي الصعيد وبعض قراها، تبدأ النساء المواسيات و القريبات في النوافذ، وكلما قدم وفد من المعزيات يبدأ هذا الوفد بالصراخ قبل دخوله بيت المتوفي وحتى يدخلن، ويعد هذا إيذاناً للنسوة المجتمعات في البيت بأن هناك وفدا من المعزيات والمواسيات قادم فيقطعن العديد ويطلقن الصراخ. ويعد ذلك تحية أو استقبالا لهذا الوفد.

ومن الطريف والغريب في الأمر أن السيدة لا تكون قد قامت بواجب العزاء إلا بوضع يدها فوق رأس كل واحدة من قريبات الميت متبادلات الصرخة المقترنة بكلمة «بوي» وهذه الصورة موجودة حتى الآن، ثم يكففن عن الصراخ ويندمجن جميعاً في العدّيد.

وتقول السيدة اعتدال إن العدّيد وطوال الأربعين يوماً متواصلة يتم على فترتين في الصباح حتى الظهيرة والفترة الثانية من العصر، وحتى مغيب الشمس ويسمي ذلك الأمر «بكوة الصبح ـ بكوة العصر» خلال تقليد خاص تعرفه النسوة، وهو أن تبدأ المعددات ببعض المقاطع تتميز بطول النطق وكأنه مد منغماً تنغيم «سلم موسيقي» ويطلق على هذه المقاطع «التطريح» ثم يبدأ العديد بنطقه المألوف. والجميع يقمن بترديد مقاطع العديد في إلقاء موحد علي نظام غناء المجموعة ثم تتولى الإنشاد قائدة المجموعة والمعروفة بالمهارة في العديد ويرد عليها الجميع غير أنه تتناوب الماهرات هذه القيادة.

و«العديد» يختلف حسب سن الميت ونوعه وحياته ومهنته وصفاته البارزة، بالإضافة إلى كون المتوفي مات قتيلاً أو سجينا أو حتى أثناء فرحه أو مرضه.

وفي حالة المريض الذي مات، يقال خلال «العديد» اسم الله عليك يا للي الوجع كادك ـ حرمك نومك علي جنابك اسم الله عليك يا للي الوجع هدك ـ حرمك نومك علي جنبك حتي حشيش البر دورته ـ علي دوا العيان ما وجدته حتي حشيش البر دورناه ـ وأن كان علي توب الخبا بعناه أما العدّيد على الأطفال، يختلف علي حسب اذا كان الطفل الميت وحيدا أو طفلا من بيت عز وثروة أو فقير فتقول: قولوا لأمي الله يواليها ـ دي ناري طبقت على كباديها قولوا لأمي الله يصبرها ـ دي ناري طبقت على كبايدها أوعي تشوفيني في الكرب وتقومي ـ سمي علي وغمضي عيوني أوعي تشوفيني في الكرب وأتعزي ـ سمي علي وغمضي رمشي طالع وأنا وراه أنوح ـ قال عاودي وبخاطرك نروح طالع وأنا وراك بالعين ـ قال عاودي ورايحه ورايا فين.

الأقصر ـ سحر محمود