ما هي هوية «النّوَر» وما هو تاريخهم؟ ومن أين ينحدرون؟... بعض الروايات القديمة تقول إنه بعد أن ثأر الزير سالم لأخيه وانتصر على قوم جساس قام بمنعهم من إيقاد النار والسكن في بيوت الشعر وفرض عليهم الترحال، ومنذ ذلك التاريخ ابتدأ الترحال الأبدي للنّوَر!

ورغم تطور الحياة والدخول إلى عصر العلم والتكنولوجيا، لا يزال النّوَر يعيشون على هامش المجتمع بإصرار عجيب. مسعود أبوذيب الذي يبلغ الخامسة والأربعين من عمره يقول حول الجذور التاريخية لأصول النّوَر إن «أصولنا تنحدر من عهد الزير سالم، وحياتنا كانت عبارة عن رحيل دائم بين الوديان والجبال، وبين المدن المغلقة الأبواب، لقد فقدنا حياة الاستقرار وفقدنا الرعاية الصحية لذلك كثرت الأمراض بين أطفالنا الذين يعانون من الإعاقة أو من أمراض مزمنة أخرى. وبشعور ممزوج بالألم، وبالوجع الخفي من هذا الإهمال المتواصل لطائفة كبيرة من أتباعه الذين فقدوا كل رعاية إنسانية يقول أبوذيب: «نحن محرومون من ابسط مستلزمات العيش الكريم ومن الرعاية الصحية والتعليم». ويضيف أن قومه يعيشون اليأس والمرارة في المجتمعات التي يعيشون فيها «ورغم اننا مواطنون نحمل جوازات سفر وشهادات ميلاد فإننا لم نحصل على ابسط حقوقنا اذ ليس من حقنا العمل أو التعليم أو الحصول على سكن لائق، وحتى لا يحق لنا أداء العمرة أو حج بيت الله الحرام، كما لا يحق لنا فتح محلات للعمل». ويتابع أن «النّوَر» يواجهون الكثير من المشكلات والمتاعب وأحياناً السجن، فقط لأنهم من «النّوَر».

أما عن تقاليد الزواج عندهم، وهل يسمحون بالزواج من غير «النّوَر» قال أبوذيب: «نحن مسلمون وعرب، لا يختلف زواجنا عن غيرنا اذ يتم وفق الشريعة الإسلامية مع الحفاظ على كافة حقوق المرأة من أثاث ومن مراسيم للزفاف، ولكن الأولوية في الزواج لأبنائنا لكننا لا نمانع اذا تزوجت بناتنا من أبناء المدينة أو بالعكس، المهم توفر عنصر الرضا والموافقة بين الطرفين».

وعندما سئل عن عدد «النّوَر» في العالم العربي ضحك الشيخ مسعود، الذي يعيش في منطقة صويلح في الأردن، بمرارة وهو يعلن بأنهم غير معترف بهم رسميا، ويقول: «ان أولادنا يؤدون الخدمة العسكرية وننفذ كل الواجبات لكننا بدون حقوق ويتم التعامل معنا كأننا لقطاء».

أما الحاج توفيق حسن الذي يبلغ الـ 100 عام تقريبا فيقول إن أصول «النّوَر» تمتد إلى بني جساس من قبيلة بني حجاج الذين شردوا الزير سالم وذبحوا أخوه كليب، ويضيف: «نحن «النّوَر» جئنا إلى هذه الدنيا من أجل الشقاء والتشرد والنبذ والضياع».

وسئل حسن عما يقال إن من عادات النّور وطباعهم الميل إلى الطرب وجلسات الكيف وأنهم غير ميّالين إلى العمل والإنتاجية فرد بالقول: «لدينا مثل قديم يقول.. الرأس اللي ما فيه كيف حلال قطعه أما قضية أننا لا نميل إلى العمل فهذا كلام غير صحيح ويقال في سياق رفض المجتمعات التي نعيش فيها لنا، او حتى رفضها التوقف عن مشاعر النبذ والازدراء التي يمارسونها علينا».

ويشير إلى أنه «مع استمرار هذا الزمن الطويل أدمّنا حياة الترحال والتشرد حتى صارت جزءا من نسيج حياتنا اليومية، وصارت جزءا من تفكيرنا إلى الحد الذي جعلنا نبتعد عن حضارة المدن ونرفض ان نذوب فيها».

وعن تأثير هذا البعد على حياتهم يقرر ببعض الأثر «على صعيد لقمة العيش وعلى صعيد صحة ومستقبل أطفالنا»، لكنه يشدد على أنه «لم يؤثر في نفسياتنا المرتاحة من الداخل».

ويضيف: «انظر إلى سكان المدن الآن ستجدهم متوترين على الدوام ومعظمهم يموتون من الحنق والتوتر ويصابون بالجلطات القلبية والدماغية في الوقت الذي نموت نحن بهدوء وأنا أمامك أكبر مثال فعمري الآن تجاوز المئة عام لكني لا أعاني من أي شيء سوى الفاقة والفقر والعوز.. ولكن الحمد لله على كل شيء فأنا لا أملك بيتا ولا أملك سيارة لكني املك الأرض كلها أجوبها وأتنقل فيها وقتما أشاء، بينما لا يملك أصحاب القصور سوى مساحة قصورهم يتحركون فيها».

عمان ـ «شيما برس»