د.عصمت عبد المجيد واحد من أهم رموز الدبلوماسية المصرية والعربية، شاء قدره أن يكون شاهدا ومشاركا في فترة من طويلة من أهم وأحرج فترات تاريخنا العربي المعاصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وكان له دور بارز وفاعل على مدى أكثر من 60 عاما كان فيها شاهدا على العصر.
«البيان» ذهبت إلى عبدالمجيد لتبحث معه في ملفاته وذكرياته المتراكمة في ما تشهده الساحة العربية الآن من أحداث جسام. فقال إن القضية الفلسطينية تسير نحو المجهول وما يحدث بين الفلسطينيين مأساوي والمصلحة فيه لإسرائيل، وشدد على أن العراقيين وحدهم القادرون على حل أزمتهم، لافتا إلى أن القوات الأميركية ستبقى في المنطقة طالما بقيت الانقسامات الطائفية، ورأى أن تصور الولايات المتحدة لتشكيل شرق أوسط جديد يهدد مصالحها بالمنطقة.
وكان السياسي العربي البارز معجباً بقصة النجاح التي مرت بها دولة الإمارات التي أكد على انها تشرف العرب جميعا، مشيدا بالراحل الكبير المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
في ما يلي نص الحوار:
* كيف ترون الوضع الراهن على الساحة العربية ؟ وهل العرب في مرحلة استضعاف؟
ـ أنا من أشد المؤمنين بالعروبة وبما يمكن أن ينتج عنها وهذا ليس مجرد حديث عابر أو خيالي ولكن انظر للعالم العربي الممتد من المحيط إلى الخليج هذا التواصل الممتد بلا انقطاع، المنطقة العربية لا تملك تواصلا جغرافيا فحسب وإنما ثراء فكريا واقتصاديا وثقافيا ولكننا للأسف لا نحسن استغلال هذا الثراء وهذه الإمكانيات.
نعم هناك سلبيات ولكن الإيجابيات كثيرة وأعتقد أن العروبة تستطيع أن تحقق الكثير بشرط الاتحاد والترابط والتكامل بين هذه الدول العربية، نعم نحن أمامنا طرف شرس جدا وهو إسرائيل ولكن يجب أن نعلم جيدا أنه إذا كانت إسرائيل تحقق أي نجاح فليس الفضل فيه لإسرائيل وإنما هو نتيجة لأخطائنا نحن العرب والتي تستفيد منها إسرائيل جيدا فنحن نخطئ كثيرا في حق أنفسنا وهناك انقسامات شديدة داخل الأمة العربية لا أدري لها سببا محددا وقد كان لي شرف تولي مهمة الأمين العام للجامعة العربية على مدار عشرة أعوام متواصلة سعيت خلالها قدر إمكاني إلى ترسيخ مفاهيم الوحدة والتقارب والترابط والعمل على وحدة الصف العربي ولكننا للأسف نتقدم خطوة ونتراجع خطوتين.
* من وجهة نظركم إلى أين تسير القضية الفلسطينية، وما هو تصوركم لمستقبل الحل لهذه القضية الشائكة؟
ـ للأسف الشديد القضية الفلسطينية تسير نحو المجهول وهي تأخذ منحنى خطيرا جدا وخاصة بعد الانشقاقات القائمة بين الفصائل الفلسطينية المختلفة، وهذه الصراعات الفلسطينية هي أمر مخز ومأساوي ومشين ولا يليق برفقاء السلاح الباحثين عن الاستقلال والحرية والطامحين لإنشاء دولة فلسطينية على كامل التراب الفلسطيني أن ينحدروا لهذا المنزلق ويتقاتلوا بينما إسرائيل تقف وتشاهد ما يحدث وهي تقدم لهم أسمى آيات الشكر لأنهم يوفرون الكثير والكثير، ولابد من عودة الوحدة للصف الفلسطيني لأن التعامل مع إسرائيل ليس بالأمر الهين ولابد وأن يكون هناك تحرك عربي وفلسطيني في جميع الاتجاهات وعلى مختلف الصعد وأثق في قدرة الجامعة العربية ودول الجوار الفلسطيني على بذل المزيد من الجهد لحقن الدم الفلسطيني والحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني قبل العربي.
* هل ترى جدوى من إصرار الجانب العربي على التمسك بمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت 2002 في ظل الرفض الإسرائيلي المتواصل لها؟
ـ أنا أؤيد مبادرة السلام العربية، مبادرة السلام العادل والشامل، أؤيد السلام وليس الاستسلام وعلينا أن نعلم جيدا أن إسرائيل لن تأتي إلينا وتقدم لنا أرضنا على طبق من فضة فهي ليست بهذه السذاجة كما أنها لا تملك هذه الأخلاق والمبادئ والقيم القويمة وهذا ما أدركته مصر جيدا وعملت من أجله، وكان أهم آلياته حرب أكتوبر العظيمة التي لم تكن عملية فجائية كما يحلو للبعض الحديث عنها، وإنما كانت نتيجة إصرار وتخطيط وعلم وعمل وجهد ودأب استمر شهورا وأعواما وهو ما يؤكد على عظمة العمل العسكري ونجاح العملية السياسية التي أعقبته ونجحنا من خلالها في استعادة كامل ترابنا سواء بالعمل العسكري أو الجهد الدبلوماسي أو التحكيم القانوني.
ومن المؤكد أن عملية السلام تصب بشكل أساسي في مصلحة العرب أكثر من مصلحة إسرائيل ولذلك يجب علينا السعي بكل الطرق السياسية والدبلوماسية لإحياء عملية السلام حتى نستعيد جميع الحقوق العربية المشروعة وذلك من خلال اللجوء للأمم المتحدة والمنظمات الدولية المختلفة لإجبار إسرائيل على تنفيذ واحترام الاتفاقيات الدولية.
* كيف ترى تطورات الأوضاع في العراق، خاصة وأنه قد شارف على التقسيم في ظل الوضع الحالي؟
ـ إن ما يحدث في العراق أمر محزن ويزيد الإنسان ألما وغما وحزنا، فالعراق بلد عظيم وفيه إمكانيات وقدرات هائلة وبها كل مقومات النجاح وخاصة البترول والمياه والشعب المليء بالكفاءات والخبرات، ورغم أن فترة حكم صدام كانت تتسم بالعنف والقمع والشراسة إلا أنه حافظ على وحدة العراق خلال فترة حكمه وحافظ على وحدة الصف العراقي ووحدة التراب العراقي رغم أنه كان يتعامل بأسلوب خاطئ لا يمكن أن يوافقه عليه أحد.
ولكن للأسف الوضع السياسي في العراق الآن مخيف وهو في حالة انهيار وتمزق والانقسامات تهدد وحدته وتهز كيانه والشعب العراقي هو الوحيد صاحب مفتاح الخروج من هذه الأزمة، وهو يمتلك القدرة لذلك، وأعتقد أن القوات الأميركية ستظل باقية في العراق وفي المنطقة طالما أن هناك انقسامات طائفية ومذهبية داخل العراق فالوضع في المنطقة كلها غير مستقر وغير مطمئن. (لم يستبعد عبدالمجيد خلال الحوار أن يكون للولايات المتحدة أو دول أخرى دور في إحداث الفتنة الطائفية القائمة في العراق).
* العراقيون يتهمون العرب بالتخلي عن العراق وتركه فريسة لقوات الاحتلال والقوى الإقليمية للعب دور على حساب الدور العربي، كيف ترون ذلك؟
ـ الدول العربية مطالبة بل وملزمة بمساندة العراق باعتباره قوة عربية هائلة تضاف لمجموع القوى العربية، مع ضرورة تعزيز دوره وعدم تركه فريسة سهلة للاستقطابات الدولية والإقليمية ولابد من المحافظة على وحدته واستقراره وعروبته لأن العراق قوة يجب أن تحترم وتوجه للبناء والتعمير وليس للهدم والتدمير، وكما أن هذا متوقف على الأداء العربي فإنه متوقف أيضا على حكمة القيادات العراقية سواء كانت شيعية أم سنية أم كردية ودورهم حيوي ومطلوب داخل الأمة العربية والإسلامية.
* هل ترى أن الولايات المتحدة الأميركية تقوم الآن بتشكيل منطقة الشرق الأوسط الجديد الذي تدعو إليه مستغلة في ذلك المشكلات التي تتعرض لها المنطقة؟
ـ الولايات المتحدة قد يكون لديها تصور خاطئ حول أن ما يحدث يؤدي إلى إنشاء شرق أوسط جديد، ومن الواضح أن القائمين على الأمور واتخاذ القرار هناك غير مدركين لنتائج المنطقة بأسرها ويقضي على الأخضر واليابس فيها وسيتضرر الأميركيون ومصالحهم كما سيتضرر العرب أيضا، وعلى الأميركيين أن يعوا ذلك جيداً.
* يتعرض الإسلام في الوقت الحالي لهجوم شرس من الغرب، كيف تقيمون هذا الهجوم؟
ـ هذا الهجوم يدخل في إطار صراع الحضارات وعلينا جميعا أن نخطط وندرس كيفية وطريقة الرد على هذا الهجوم بما يحافظ على مكانة الإسلام في نفوسنا ويوضحه في أذهان ونفوس الغرب ويضمن عدم استخدام أساليب وطرق يمكن أن تأتي بنتائج عكسية ويجب أن نعلم جميعا نحن قبل الغرب أن الإسلام له عظمته وقدسيته وتاريخه ورجاله وأتمنى أن يأتي اليوم الذي يكون فيه الرجل المناسب في المكان المناسب ونكون قادرين على شرح وتوضيح إسلامنا بما هو أهله وبما يحقق النتائج المرجوة منه ويزيل أسباب التوجس والخيفة من نفوس الغرب عن ديننا الإسلامي الحنيف.
* ماذا تعني دولة الإمارات العربية المتحدة في عقل الدكتور عصمت عبدالمجيد؟
ـ حقيقة أنا أكنّ لدولة الإمارات العربية المتحدة كل التقدير والاحترام والاعتزاز وخاصة للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فهو من الشخصيات النادرة، وقد تشرفت بلقائه أكثر من مرة ويمثل نموذجاً للشخصية العربية والإسلامية كما يجب أن تكون.
وللتاريخ فإن له الفضل في التقدم الحضاري الذي تشهده وحققته دولة الإمارات ووضعها في المكان اللائق بها عالميا. زرت الإمارات أكثر من مرة وكنت دوما ألحظ مدى التقدم الهائل الذي تحرزه في كل مرة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي وإنما على المستوى التقني والاجتماعي والثقافي بشكل يشرّف كل عربي ومسلم فهنيئا لهم بهذا التطور البناء الهادف فما يحدث في الإمارات هو بحق قصة نجاح (SUCCESS STORY).
القاهرة ـ سباعي إبراهيم
