شن زعماء «قوى 14 آذار» في لبنان أمس هجوماً لا سابق له على حلفاء سوريا اللبنانيين والرئيس السوري بشار الأسد في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق الراحل رفيق الحريري، التي استعادت مشاهد 14 فبراير و14 مارس 2005، متوعدين أمام مئات الآلاف من اللبنانيين الذين توافدوا إلى ساحة الشهداء التي تحتضن ضريح الحريري بأن المحكمة الدولية ستقر مهما كلف الأمر لمحاكمة المتورطين في الاغتيالات ومحاولات الاغتيال التي يشهدها لبنان منذ أكثر من سنتين،

وقال رئيس تيار المستقبل سعد الحريري ان المحكمة الدولية الخاصة بكشف الحقيقة في جريمة اغتيال والده «هي المعبر الوحيد لأي حل» في لبنان، مطالباً المعارضة باتخاذ القرار الشجاع للحوار والوحدة الوطنية، وقال إنه يمد لها يده.ووسط بحر من الأعلام اللبنانية والرايات الحزبية وصور الحريري واللافتات، وجه زعيم تيار المستقبل النائب سعد الحريري ورئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات اللبنانية سمير جعجع والعديد من الخطباء الآخرين، انتقادات لاذعة ضد دمشق وحلفائها في لبنان، ولا سيما الرئيس اللبناني إميل لحود وحزب الله والتيار الوطني الحر اللذين يقودان المعارضة اللبنانية ويقيمان مخيماً اعتصامياً في وسط بيروت، اضطرت معه السلطات إلى إقامة ما يشبه الجدار الحديدي لمنع أي احتكاك بين أنصار الموالاة والمعارضة.

واستهل الاحتفال بكلمة للنائب غسان تويني الذي ردد قسم ابنه الراحل جبران تويني: «نقسم بالله العلي العظيم أن نظل مسلمين ومسيحيين موحدين بالإيمان الواحد الأحد، وان نظل وطناً واحداً وجسماً واحداً في الدفاع عن لبنان العظيم»، الذي شدد على أنه «باق رغم الاغتيالات»، وطالب بأن تحاكم المحكمة الدولية الجرائم ضد الإنسانية.

وعند العصر اشتدت سخونة التجمع مع إلقاء قادة القوى السياسية، من وراء منصة بزجاج واق من الرصاص، كلمات قصيرة تفاوتت في حدتها وتصعيدها، فرفض رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع في كلمته أن يحتكر حزب الله المقاومة، معتبراً أن «رفيق الحريري هو المقاومة، بشير الجميّل هو المقاومة، كمال جنبلاط هو المقاومة، سمير قصير، جورج حاوي، جبران تويني، وبيار الجميّل هم المقاومة فلا يزايدن أحد علينا.. بالمقاومة».

وأضاف: «لن نركع، لن نخضع، لن نستسلم، لن نخاف شيئاً، لن نتراجع أمام شيء، وسنلاحق المجرمين إلى أقاصي الأرض وآخر الزمان». وأكد على أن «المحكمة الدولية آتية.. إلى النظام السوري نقول: عين لبنان تقاوم مخرزك ولقد قاومته وستقاومه حتى قيامة لبنان». ثم شن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط هجوماً عنيفاً للغاية على الرئيس بشار الأسد متهماً إياه بالطغيان.

وأضاف جنبلاط متوجهاً إلى حزب الله من دون أن يسميه: «يا أشرف الرجال يا رفيق الحريري جئنا لنقول انه لن يخيفنا تهديد ولا وعيد ولن تخيفنا الصواريخ والمدافع من زلزال ورعد وبرق (في إشارة إلى صواريخ يملكها حزب الله) جئنا لنقول مع الرجال لن نستسلم للإرهاب وللعبوات القاتلة وللأحزاب الشمولية سورية كانت أم غير سورية».

أما كلمة رئيس كتلة المستقبل سعد الحريري فكانت أخف لهجة، وقال فيها إن الحضور الشعبي الضخم يشكل «دليلاً جديداً ومتجدداً على تمسك اللبنانيين، بالحرية والاستقلال، بالحقيقة والعدالة، والمحكمة الدولية». وأضاف انه «على رغم التهويل والترهيب، ورغم الإرهاب، واثقون واثقون واثقون، بأن الله معنا، والحقيقة معنا، وبأن لبنان الذي يقف معه أشقاؤه العرب، والمجتمع الدولي، كما شاهدتم خلال العدوان الإسرائيلي هذا الصيف، وكما لمستم في مؤتمر باريس 3 هذا الشتاء، لبنان العربي لبنان الديمقراطي الحضاري الحر المنفتح، لبنان الطائف، لبنان الوحدة الوطنية، لبنان العيش المشترك، سينتصر، وأن أعداء لبنان هم الذين سيسقطون».

وختم الحريري كلمته بقوله: «نحن جاهزون لكل قرار شجاع، من أجل لبنان، ومن أجل الحل في لبنان. لكن المحكمة الدولية هي المعبر الوحيد لأي حل، فليتفضلوا إلى القرار الشجاع، إلى الحل الشجاع، لتصبح الأفعال ترجمة للأقوال، ولنعمل جميعاً على تحقيق الحلم الشجاع، حلم رفيق الحريري».

وفي كلمة مسجلة، أكدت نازك الحريري عقيلة الشهيد رفيق الحريري «أن الحقيقة والعدالة تحميان الوطن الصغير لبنان من الإرهاب بقدر ما تعززان الإرادة اللبنانية المستقلة في تجسيد مسيرة استمرارية الحلم الذي توقف لحين». وقالت نازك إنه «من الصعب أن تتمكن العدالة والحقيقة من لملمة كل الدموع ولكن على الأقل يمكنهما تبرير قسوة الجراح وبلسمة الحرقة بالأفئدة والأعماق على غياب شهيدنا الكبير. ما كان شهيدنا يعرف معنى الكراهية. لقد سعى رفيق العمر ليكون لبنان أولاً، ذاك كان حلم عمره، ومثل هكذا حلم هو النجاح بعينه».

وقبل بدء المهرجان، تلا رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ترافقه عقيلته هدى والوزيران طارق متري وأحمد فتفت الفاتحة على أضرحة الحريري ورفاقه. وكذلك فعل الحريري الابن، ووليد جنبلاط وعشرات الشخصيات اللبنانية.. في وقت تدفقت حشود ضخمة إلى الطرق المؤدية إلى وسط بيروت في محاولة للوصول إلى ساحة الشهداء للمشاركة في إحياء الذكرى وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث شوهدت حشود بشرية ضخمة تمتد من منطقة الدورة على مسافة ثلاثة كيلومترات شمال بيروت حتى ساحة الشهداء في الوسط التجاري للعاصمة.

ورفع المشاركون في التجمع الأعلام اللبنانية بشكل أساسي إضافة إلى أعلام أحزاب الكتائب والقوات اللبنانية وتيار المستقبل والتقدمي الاشتراكي. وأيضاً لافتات كتبت عليها عبارات مثل: «المحكمة لعيونك»، و«لبنان بلد لكل اللبنانيين بالتساوي مهما كانت الصعوبات» وهي عبارة لرفيق الحريري.

وحظر على السيارات والحافلات الاقتراب من ساحة الشهداء ما أجبر المشاركين على السير كيلومترات عدة للوصول إلى مكان الاحتفال. وانتشر آلاف العناصر من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في كل أنحاء بيروت. وأقيمت حواجز في عدد من الشوارع لتحديد الطرق التي يتوجب على المشاركين سلوكها ولمنع أي احتكاك خاصة مع أنصار المعارضة المعتصمين منذ أكثر من شهرين في وسط العاصمة.

ولم ينجح تفجيرا عين علق في منع اللبنانيين من الصعود إلى الحافلات للمشاركة في «يوم الوفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري»، حيث تقاطرت الوفود الشعبية منذ الصباح إلى العاصمة بيروت. وشهد الاوتوستراد الساحلي حركة سيارات كثيفة باتجاه ساحة الشهداء.

وعند الواحدة إلا خمس دقائق وهي لحظة سقط رفيق الحريري شهيداً قبل عامين وقفت الحشود دقيقة صمت، وارتفع بعدها الأذان، وقرعت أجراس الكنائس تحية للرئيس الشهيد ورفاقه وتأكيداً على الوحدة والتلاحم بين اللبنانيين.

وألقى العديد من الوزراء والنواب والسياسيين البارزين ورجال الدين كلمات أمام الحشود، ومن بينهم: وزيرة الشؤون الاجتماعية نايلة معوض، ورئيس المكتب السياسي للجماعة الإسلامية في لبنان علي الشيخ عمار، ومفتي صور وجبل عامل العلامة علي الأمين، ورئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون، والنائب بطرس حرب، ورئيس حركة اليسار الديمقراطي النائب الياس عطا الله، كلمات حيت رفيق الحريري دعت إلى «وقف الانزلاق الأعمى نحو الهاوية، وشددت على أهمية المحكمة الدولية باعتبارها الوسيلة الوحيدة لإظهار الحقيقة.أما وزير الداخلية النائب باسم السبع فحمل بشدة على الرئيس بشار الأسد، متهماً إياه بقتل الحريري.

بيروت ـ علي بردى