بعثت الزيارة التي قام بها جاك لونج، وزير الثقافة الفرنسي الأسبق ومبعوث المرشحة الاشتراكية للرئاسة سيغولين روايال، إلى الجزائر الجدل مجدداً حول ماضي الصراع بين البلدين و آلام الاستعمار الذي دام 130 عاماً، وضرورة اعتذار فرنسا على جرائمها الاستعمارية في الجزائر، ولاسيما بعد تأكيد لونج في تصريح للصحافة الجزائرية والأجنبية أن الحقبة الاستعمارية كانت مظلمة وأن الشعب الجزائري قاسى منها وتألم. وطالب السلطات الفرنسية أن تعترف بهذا الواقع.
وأكد لونغ في تصريح صحافي أن الاستعمار الفرنسي للجزائر لم يكن حضارياً في إشارة لرفضه قانون 23 فبراير 2005 الذي أصدره البرلمان الفرنسي ويمجد الاستعمار ويعتبره مساهمة حضارية من فرنسا باتجاه المستعمرات. لكن منظمات «الأشرة الثورية » الجزائرية وهي منظمات مجاهدي ثورة التحرير و أبناء الشهداء رأت بأن جاك لونج لم يأت بجديد وأن فرنسا مدعوة للاعتذار بصريح العبارة عما ارتكبته كدولة مستعمرة من مجازر في حق الجزائريين. وربطت تطبيع العلاقات السياسية وترقيتها إلى مستوى الصداقة بهذا الشرط.
وفي تطور جديد انتقد فيليب دوست بلازي وزير خارجية فرنسا تصريحات لونج واعتبرها « خدشاً للذاكرة الجماعية لشعبي البلدين»، ودعا في تصريح صحافي إلى النظر للمستقبل وحجب صفحة الماضي الذي يبقى من اختصاص المؤرخين.
وقال بلازي الذي زار الجزائر الربيع الماضي وفشل في تنقية الأجواء السياسية التي لبّدتها غيوم قانون 23 فبراير«إن فرنسا والجزائر ستعملان معاً من أجل المستقبل ومن أجل قراءة واقعية للماضي أيضاً».
واتهمت أوساط يمينية من أنصار المرشح نيكولا ساركوزي الاشتراكيين بتوظيف الخلافات في حملة انتخابية مسبقة للرئاسة الفرنسية واعتبرت تصريح جاك لونج طعناً للمصداقية الفرنسية. وكان البلدان قد اتفقا على توقيع « معاهدة الصداقة والتعاون و حسن الجوار» قبل نهاية العام 2005 في حفل بهيج يقوده الرئيسان عبد العزيز بوتفليقة وجاك شيراك يطوي نهائياً صفحة الماضي الأليم بينهما لكن الجزائريين تراجعوا عن الإقدام على هذه الخطوة بعد صدور القانون الممجد للاستعمار، وأبعد التوقيع إلى أجل غير مسمى وربما ألغى تماماً بفعل تشبث الطرفين بموقفيهما.
وفي سياق بعث الجدل بفرنسا أعلن عمدة باريس بيرتران ديلانوا أول من أمس بأن الاستعمار لم يكن بأية حال من الأحوال إيجابياً. وأكد في تصريح بمناسبة تدشين ساحة بالدائرة الحادية عشرة في باريس باسم «ساحة الثامن من فبراير 1962» تخلد ضحايا تظاهرة جزائرية سلمية في باريس دعت في هذا التاريخ للتعجيل بالاستقلال بأن فرنسا احتلت الجزائر ولم يكن ذلك فعلاً حضارياً ولا إيجابياً ولا يمكن أن يكون إيجابياً».
وتحدث عمدة باريس بحضور عدد كبير من أعيان الجالية الجزائرية والمغاربية وسياسيين فرنسيين عن مستقبل العلاقات بين البلدين وقال «إن التاريخ والجغرافيا حكما على البلدين بالتقارب والتعاون والعمل المشترك من أجل مستقبل الأجيال». لكنه هو الآخر اكتفى بانتقاد الفترة الاستعمارية ولم يطلب من (فرنسا الرسمية) الاعتذار عن الظلم كما يطلب الجزائريون.
