مع استمرار حالة الفلتان الأمني في الأراضي الفلسطينية لقرابة العام، والمتزامنة مع تعطيل مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية وعدم قدرتها على أداء واجباتها بسبب الحصار المالي المفروض على الحكومة الفلسطينية والاحتقان السياسي الداخلي بين حركتي «فتح» و«حماس»، نمت ظاهرة «أشخاص فوق القانون» وهم المجرمون الذين ليسوا فقط فارين من وجه العدالة، بل ويتمتعون بحماية مجموعات عسكرية وعائلات متنفذة، ما أدى إلى قيامهم بارتكاب الجريمة تلو الأخرى مع شعورهم الكامل بالحصانة من أي اجراء قانوني رادع.

وأظهرت بيانات النائب العام الفلسطيني مؤخرا أن «80 في المئة من مرتكبي جرائم القتل في الأراضي الفلسطينية طليقين وقادرين على ارتكاب الجريمة تلو الأخرى بحماية كاملة من متنفذين ومجموعات عسكرية مختلفة»، وإن بدت هذه النسبة صادمة للكثيرين، فإن المعلومات التفصيلية متوفرة في الشارع عن حالات مجرمين وقتلة يتحركون تحت حماية ورعاية جهة ما او شخصية ما او أكثر، بدون أي رادع أو حول وقوة للمواطنين الذين يتعرضون للأذى على أيدي هؤلاء المجرمين.

ويقول النائب العام أحمد المغني إن «أجهزة تنفيذية وفصائل ووزارة الداخلية تتراخى في تسليم المجرمين، وتوفر لهم الغطاء، وتعطل الآلاف من مذكرات الاعتقال بحقهم».

وشكّل الصراع المسلح المتفاقم بين المجموعات التابعة لحركتي «حماس» و«فتح» تربة خصبة لنمو الجريمة تحت مسميات سياسية، وتفاقم حالة الانفلات الأمني العام، خاصة الاعتداء على الافراد والاملاك والحريات، فكثير من المجرمين المتورطين في جرائم قتل، بعضها سياسي والبعض الآخر غير سياسي، باتوا بضاعة رائجة للباحثين عن قتلة «محترفين» و«مأجورين».

وتقول مصادر أمنية إن «كثيرين ممن يقفوا وراء حالة الاقتتال الداخلي هم من المتورطين في جرائم سابقة، ويرون في الولاء لجهة او لشخصية ما وسيلة للحصول على غطاء شرعي».

ونتج عن حالة الاقتتال الدموي المستعر ثقافة تُشرع القتل وطنيا ودينيا وتمجد فاعليه، ففي الحالات التي وقفت فيها مجموعات «حماس» وراء عمليات قتل متعمد، سُمع القتلة وهم يكبرون بعد قتلهم «كافرا» ويفتون في جواز سلب ما تقع عليه ايديهم من «غنائم» حتى لو كان جهاز هاتف خلوي.

وفي الحالات التي سُجلت فيها اغتيالات من قبل مجموعات محسوبة على حركة «فتح» كان تبرير القتل يأخذ المنحنى المقابل الذي تقع تحته كل مبررات «الثأر» و«الانتقام» أو ردع التيار «الاستئصالي». واتسمت بعض جرائم الطرفين بالطابع «المافيوي» الذي يقوم على الاغتيال الدقيق الذي لا يترك أثرا في الموقع مثل اغتيال ضابط المخابرات الفلسطيني في غزة العميد جاد التايه ورفاقة والقاضيان بسام الفرا وحسين ابو عجوة وغيرهم.

وادى تفاقم الاقتتال وشيوع ثقافة الدم إلى انحدار شخصيات سياسية بارزة الى مستوى تسهيل حياة المجرمين.ويقول النائب العام إن «وزيرا بارزا في الحكومة أفرج عن عشرة متهمين بالقتل تحت عنوان منحهم اجازات من السجن»، وأضاف ان «التستر على المجرمين يهدد بشكل خطير عمل النيابة في فلسطين، ويهدد دورها في تمثيل الحق العام والحفاظ عليه».

رام الله - محمد إبراهيم