تتساءل أجهزة الأمن الإسرائيلية »ما الذي يجعل رب أسرة ناضج ومُحبّ لأسرته ويعيش في اسرائيل كمواطن، يرتكب أمرا، يعرف أنه مخالفة يعاقب عليها القانون بالسجن؟.. وما هو نوع الدم الذي يسري في عروق ابن الخمسين عاما حتى لا يتنبّه إلى أنه مسؤول عن خمسة أبناء وأمهم؟.. ويأتي الجواب شافيا ومقنعا من خلف أسوار السجن، أنّ هنالك ما هو أهمّ من العائلة.. وهناك أهم من النفس ومن الروح.. هو الوطن!..
قول الأسير وصفي منصور من فلسطينيي الداخل والذي بلغ السبعين عاما اليوم، »الأولاد لهم ربّ يرعاهم، ولهم ذوو قربى يلتفتون إليهم، ولهم أهل الخير وزكاة الأتقياء.. ولهم الوطنيون ممّن بقوا في مساحة شمّ الهواء النقيّ خارج حدود السجن.
ولهم جمعية أنصار السجين التي دأبت إلى حين أغلقتها دولة الاحتلال، على مرافقة عائلات السجناء في ليلهم ونهارهم، ساعية إلى توفير الضروري من الحاجات«. ويرى الأسير في حديثه لموقع »عرب 48« الالكتروني أن »لا شيء للوطن سوى أبنائه الذين إذا ما غفلوا عنه ضاع وتشتّتت أشلاؤه ما بين الطامعين. فهو في القلوب أرسخ من أي عشق آخر«.
لوصفي منصور، »أبو عامر«، تاريخ نضالي حافل قبل أن يلقى القبض عليه ويُزجّ به في الأسر. كان عمره نحو خمسين سنة عندما أسر، وكان متزوّجا ولديه ستة أبناء وكان يعمل في حديد البناء لتربية أبنائه وتوفير لقمة العيش لعائلته. يقول عنه الناس ممّن خبروه وعرفوه إنه كريم ونظيف اليد وشجاع . »إنه رجل شهم بكل ما تعنيه الكلمة« يلخّص أحد المعارف. إنه وصفي منصور، الأسير الأمني الذي شارف على السبعين من عمره، أمضى منها نحو عشرين عاما في الأسر ولمّا يزل سجينا وراء القضبان.
يقول ابنه محمد وصفي منصور (31عامًا) إنّ والده لم يشارك في عملية قتل فيها محتلين بل كل ما هنالك أنّ عملية فدائية تمّ تنفيذها لم تسفر سوى عن جريح واحد قطعت رجلاه واتهم والدي بأنه كان واحدا من منفّذيها وتمّ الحكم عليه بالسجن مدى الحياة« وتابع: تقرر بعد نضالنا وراء محاكم الاحتلال تخفيض مدة الحكم إلى ثلاثين سنة«. ولا تزال أمام الشيخ ذو السبعين عاما عشر سنوات آخر في الأسر.
ويذكر محمد كيف أنّ أباه الأسير وصفي اعتاد أن يأتي بالمصابين الجرحى، أثناء العدوان على لبنان في العام 1982، للعناية بهم، ويتكفل برعايتهم ومعالجة جروحهم حتى يمثلوا إلى الشفاء. ويضيف محمد: »لقد تميّز أبي بأنه كان إنسانا واعيا ومسيّسا يدرك ما يجري حوله ويتفاعل مع الأمور كشخص وطني تهمّه القضيّة«.