أغلق الباب في السابعة مساء على 16 ألف إنسان، هم سكان قريتي «بيت فوريك» و«بيت دجن»، في الضفة الغربية، لينتظروا خلفه إلى السادسة صباحا الموعد التقليدي لدجاج المنزل، هذا هو القانون في زمن الاحتلال الإسرائيلي. كان موت مريض السرطان تيسير قيسي محتوما، «لكن لماذا يكون في آلام كبيرة كهذه، في الانتظار حتى الموت داخل سيارة أجرة في الحاجز؟ لماذا استحق ذلك؟ ماذا كنا سنقول لو أن أعزاءنا كانوا يموتون في حاجز طرق يفصل قرية عن مدينة، في مقعد خلفي من سيارة أجرة؟» ، هكذا علقت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في تقرير نشرته أمس.
عمل تيسير القيسي في مطعم حمص حازم سمارة في نابلس. كان في الخامسة والأربعين، لديه سبعة أولاد، يعمل في الحمص والفول. في بيته غرفتا نوم وبهو في مخيم اللاجئين عين بيت الما. شخصت اصابته بالسرطان قبل شهر من وفاته على ذلك الحاجز، واحتاج القيسي إلى التوجه إلى اختصاصي الأمراض الخبيثة، نصحوه بالتوجه إلى مستشفى في القدس، وفي يوم الخامس عشر من يناير الماضي، خرج بصحبه ابن عمه، حسين إلى القدس.
كان في جيوبهما أربع رخص، فهكذا فقط يمكن السفر للحصول على رأي استشاري آخر - رخصة ليومين، واحدة لكل يوم، لشخصين، احداهما «بهدف احتياجات طبية»، والثانية بهدف مصاحبة مريض، كلها موقعة كما يقتضي القانون، وكل ذلك بعد أن حصلا على دعوة طبية من المستشفى في القدس، على حسب ما يقتضي القانون الإسرائيلي. كان القيسي لا يزال في وضع جيد عندما خرج من بيته وقطع جزءا من الطريق الطويل إلى القدس سيرا على قدميه من سيارة أجرة إلى سيارة أجرة، بين الحواجز.
في حاجز قلندية طلبوا منه خلع سرواله، للأمن، وتم لهم ذلك. وأخيرا وصل إلى المستشفى وبعد ان خضع لفحوص الأطباء قرروا اخضاعه لجرعات علاج على مدى أربعة أيام. كان يملك رخصا له ولابن عمه ليومين فقط. فرأى الأطباء ان يأخذ العلاج في منزله في نابلس، في صباح يوم الخميس خرج حسين وتيسير من المستشفى عائدين إلى البيت. كانت تلك الطريق الأخيرة لتيسير».
اليوم يجلس حسين على صخرة تطل على محطة سيارات الأجرة المرتجلة في حاجز حوارة، تماما في المكان الذي تُرك فيه تيسير يموت، في سيارة أجرة لم يُسمح لها بالمرور.
بعد خروج تيسير وابن عمه من المستشفى، رفض سائقو سيارات الأجرة ان يقلوهما بدعوى انتهاء أمد صلاحية الرخص لهدف الاحتياجات الطبية ولهدف مصاحبة المريض، بسبب العلاج الذي طال ليومين. فقرر الاثنان السفر في حافلة الى حاجز قلندية، ومن هناك استقلا سيارة أجرة من رام الله الى نابلس. طوال الطريق ظل تيسير يصرخ ألما، يسأل ابن عمه مثل ولد صغير «متى سنصل؟». وعندما وصلا حاجز حوارة طلب حسين من السائق أن يدخل الحاجز وأن ينقلهما إلى البيت. طلب الجندي على الحاجز رخصا. وكانت سيارة الأجرة التي تقلهم منتهية الرخص كذلك، كل الرخص قصيرة الأمد منتهية، سائق الحافلة وحسين وتيسير تحت رحمة الجندي الإسرائيلي، وكيلومترات قليلة تفصل تيسير عن داره خلف الحاجز، أمرهم الجندي بالعودة من حيث أتوا: «هذه هي الأوامر».
تلوى تيسير ألما، فخرج حسين يبحث عن سيارة ذات رخصة لدخول نابلس، تاركا ابن عمه في سيارة الأجرة، على أمل أن يسمح لهم بالمرور، «اعتنيِ بزوجتي والأولاد»، كانت آخر كلمات تيسير إلى ابن عمه، ظل على مدى ساعة ونصف في السيارة ولون جلده الأصفر يسود قليلا قليلا، فارق الحياة على الحاجز، في سيارة الأجرة، يرمق منزله القريب. سمح له بدخول نابلس بعد 45 دقيقة من موته.
اتصل حسين بزوجة تيسير نوال، وابلغها «مات تيسير على الحاجز، في الطريق إلى البيت». يقول تيسير انه كان صعبا عليه أن يبلغ بذلك بالهاتف، لقد اراد تيسير كثيرا أن يصل البيت.
ثمة من مات على الحاجز، وثمة من ولد فيه، تستلقي الطفلة رغد حناني ابنة الخمسة والعشرين يوما، في سريرها ملفوفة بلحاف من الصوف. وقد يقص عليها والداها ربى وضرار، وهو شرطي وهي ربة بيت، في الخامسة والعشرين، عندما تكبر قصة طريق العذاب الذي قطعته أمها حتى ولادتها.
في السابع من يناير الماضي، أتى ربى المخاض، كان قد هبط المساء على قريتهما بيت فوريك، شرقي نابلس، والجيش الإسرائيلي أغلق الباب الحديدي. في الثامنة والنصف مساء طلب الزوجان سيارة أجرة وسافرا نحو الباب الحديدي، قاصدين الوصول إلى المستشفى في نابلس، على مبعدة بضع دقائق من السفر.
يروي سائق سيارة الأجرة، محمود مليطات الذي اقترب من الباب الحديدي وابتدأ يخفق بأضواء سيارته نحو برج حراسة الجيش الإسرائيلي، الموجود على مبعدة بضع مئات من الأمتار عن الباب. كان الجو في الخارج باردا وماطرا. بعد نحو عشر دقائق، أتت جيب «هامر». حاول مليطات ان يبين للجنود وجود امرأة تلد في سيارته، لكن الجنود بينوا أن عليها أن تنزل وان تجتاز الباب على قدميها.
خرج الزوجان حناني من سيارة الأجرة، وربى تبكي ممسكة ببطنها، مذعورة من ولادتها الأولى، معتمدة على كتف زوجها. مضيا من الباب صوب الحاجز، مسافة عدة مئات من الأمتار، وهنالك امرهما الجنود بالانتظار إلى أن تأتي جندية تفتش جسم ربى فقد تكون حاملة قنبلة في طريقها الى نابلس. في الجانب الثاني من الحاجز انتظرت سيارة اسعاف فلسطينية استدعاها ضرار.
لم يدع الجنود سائقها ايضا يمر إلى الجانب الثاني من الحاجز المغلق في الليل. يقول ضرار أن الجنود لم يسمحوا حتى لربى باستقلال سيارة الإسعاف والانتظار في داخلها. قالوا ان «هذا هو القانون». وهكذا وقفوا في الخارج الى أن أتت جندية. وفي النهاية فتشت ربى واعطيت الرخصة المأمولة للمستشفى. آخر الأمر ولدت رغد بعملية قيصرية. الأم والطفلة بخير. رأى الجد والجدة، والدا ربى حفيدتهما مرة واحدة فقط حتى الان. فسكان قرية سالم، وهي مكان سكنهما الذي يطل من فوق الهضبة المقابلة، لا يحل لهم دخول بيت فوريك، ورأى الجد والجدة الطفلة في المستشفى فقط.
قبل نحو سنتين حاولت الوالدة رولا شتية اجتياز حاجز حوارة، وآنذاك ايضا منعها الجنود المرور. قعدت رولا بمساعدة زوجها لتلد على الأرض وراء إحدى الكتل الأسمنتية للحاجز لكنها لم تنجح. فماتت ابنتها لاصطدامها بصخرة.
