في مختلف تصريحاتهما، وبخاصة تلك التي أعقبت اللقاء الأول الذي جمعهما في العاصمة السورية دمشق مؤخراً، أعلن الرئيس محمود عباس«أبومازن»، ورئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» خالد مشعل، وكذا باقي قادة الحركتين المتصارعتين، «فتح» و«حماس» أن «الدم الفلسطيني خط أحمر لا يجوز لأحد تجاوزه».
لكن جمهور الحركتين الذي وجد نفسه، بفعل مواقف قيادته، واقفاً على حد ذلك الخط سرعان ما تجاوزه ربما من دون إدراك للعواقب.
جملة القرارات التي اتخذت من قبل الطرفين منذ الانتخابات التشريعية، جاءت لتسحب عناصرهما ونشطاءهما إلى ذلك الخط الذي اكتفى القادة بالتحذير النظري من تجاوزه.
أبومازن تحمَّل مسؤولية أخلاقية وسياسية كبيرة ،عندما سمح لحركة «فتح» جمع نوابها في المجلس التشريعي القديم الذي طالما تحدث الجميع عن فساد أعضائه، ليقرروا سحب الكثير من الصلاحيات الجوهرية من المجلس القادم.. تلك القرارات التي فتحت صفحة أولى من عدم الثقة بين الحركتين التي قادتهما الانتخابات إلى شراكة غير محببة في النظام السياسي.
مشعل بدوره، أشعل نيران الغضب في صدور أبناء حركة «فتح» عندما خرج على الشعب الفلسطيني ليعلن بعد أيام قليلة من تشكيل حكومة «حماس»، عن أن أعضاء حكومة «فتح» السابقة «سرقوا حتى القهوة والشاي من الوزارات، وأخذوها إلى بيوتهم قبل أن يغادروا ويتركوها فارغة للوزراء الجدد».
الرجلان بما اتخذاه من قرارات، منذ بدء عهد الشراكة بين حركتيهما إلى اليوم، كانا يصبان الزيت على نيران الصراع الداخلي المحتدم في النفوس قبل أن يفيض إلى الشوارع ويسحب إلى أتونه الأبرياء.
مشعل، ومن خلفه قادة «حماس» في قطاع غزة، مضوا إلى تشكيل جهاز امني جديد سرعان ما تورط أعضاؤه في عمليات قتل في الشوارع وداخل البيوت..نعم داخل البيوت.
أبومازن، ومن خلفه قادة «فتح» أخذوا يعصرون حكومة «حماس» من اليوم الأول مطالبينها تبني برنامج سياسي يطابق برنامجهم، مهددين باللجوء إلى إجراء انتخابات مبكرة، انتخابات يعيدون فيها مجدهم الغابر تحت شعار «رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني» ذلك الشعب الذي قال لهم لا كبيرة في صندوق الاقتراع.
الجانبان لم ينجحا في إدارة شراكة سياسية ووطنية تشكل نموذجاً لتجربة ديمقراطية فلسطينية خاصة، فانحدرا إلى الاقتتال في الشوارع والبيوت والمساجد، ليقدما أسوأ نموذج في تاريخ شعب يناضل منذ أكثر من قرن للتحرر والاستقلال. صور المتحدثين الجدد، بابتساماتهم الصفراء خلف مكبرات الصوت (الميكروفونات) معلنين عن التوصل إلى اتفاق جديد لوقف إطلاق النار لن تمحو صور الجثث التي جندلها الرصاص في البيوت والشوارع والمساجد. «فرق الموت» من كلا الحركتين التي عمَّدت مسيرتها بالدم، لن يصعب عليها أن تسفك الدم مرة أخرى، والأحقاد بين أفراد تلك المجموعات التي لا ترى ابعد من المئتي دولار التي تقبضها آخر الشهر، غير عابئة بمصدرها، ستظل تحرك طاحونة المسدسات الباحثة في الظلام عن ضحية أخرى.
حتى القادة السياسيين أنفسهم الذي أشعلوا الاقتتال لم يعودوا قادرين على سحب الأفراد من الشوارع ولا سحب الأحقاد من النفوس.
شيء واحد ربما يخمد نيران هذه الحرب العابثة، اتفاق شراكة سياسية يشمل في المقدمة تسليم القتلة إلى النائب العام لمحاكمتهم عن أكثر من 200 ضحية سقطت برصاصهم منذ بدء الاقتتال. قتلة محمد غريب وقتلة حسين أبو عجوة إلى آخر القائمة!!
رام الله ـ محمد إبراهيم