رغم التحولات الاجتماعية التي يشهدها المجتمع الموريتاني، فان ظاهرة زواج الأقارب لا تزال تسيطر على معظم الزيجات في البلاد، حيث أظهرت إحصاءات لمنظمات مدنية موريتانية، أن نسبة 90 % من حالات الزواج تقع بين الفتاة وابن عمها.
وينظر المجتمع التقليدي للفتاة التي ترتبط برجل من خارج دائرة الأسرة أو القبيلة، بالاستهجان، إذ يعتبرها هؤلاء قد خرجت على المألوف، ومن المعروف أن البنت البكر في المجتمع الموريتاني لا تملك حق تقرير مصيرها عندما يتعلق الأمر بالزواج، إذ عادة ما ترتب العائلة الكبيرة الموقف بالتنسيق مع العائلة الكبيرة لذوي الرجل الذي لن يكون عليه في الغالب أن يرفض إرادة أسرته في الارتباط بابنة العم، وقد نجمت مثل هذه العادات عن الصراع التقليدي بين القبائل في المجتمع البدوي.
ويقسم المجتمع الموريتاني القبائل، بين قبائل الزوايا، وهي التي ينتمي إليها العلماء وحفاظ القرآن ومعلمو أبناء القبائل الأخرى، وموازاة مع الزوايا توجد قبائل حسان وهي مجموعة متخصصة في الحرب والعتاد، ويصعب التزاوج بين هذه الفئات لأسباب لها بعد تاريخي، وإذا حدث ذلك فان المجتمع يزدري ذوي الفتاة ويسومها الشتائم.
هذه الظواهر بدأت تتراجع في العقود الأخيرة، بيد أنها لم تخفف من حدة استنكار الزواج بغير أبناء العمومة بشكل كبير، كما ظهرت مجموعة من الشباب من أبناء الطبقتين تحاول الخروج على التقاليد، وتسيير نمط حياتها انطلاقا من قناعاتها الشخصية، فشقت عصى الطاعة على الأسرة ولم تأبه بنظرات المجتمع.
تقول الطالبة الجامعية هندو بنت احمد إن زواج الأقارب ظاهرة سائدة في موريتانيا، تدفع بالعديد من الشباب والشابات إلى الارتباط بابن العم أو ابن الخال أو الخالة أو المحيط العائلي بصفة عامة، حتى وان لم تربطهم أي مودة أو إعجاب أو حتى استلطاف، لكن الضغوط التي تمارس عليهم من طرف الأهل التي تصل احيانا الى حد القطيعة، جعلت هذا النوع من الزواج متفشيا بشكل كبير في مجتمعنا.
ويقول محمد الأمين الشنقيطي «أنا لست ضد زواج الأقارب إذا كان برضى من الشريكين فأي زواج ليس مبنيا على رضى من الطرفين سيكون حتما مآله إلى الفشل». ويضيف«وأرى انه من ظلم المجتمع أن يجبر اثنان على الزواج من بعضهما البعض أو أن تبقى الفتاة عانسا ما لم يأتها قريبها او ابن عمها وهذا ظلم ولم يحدد الشرع مقياسا للزواج سوى انه قال كما في الحديث الصحيح (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)» .
أما نزيهة، فترى أن الزواج ميثاق ترابط الغرض منه : التحصين وتكثير سواد الأمة. لكن ما هي الشروط الواجب توفرها في الشخص الخاطب وهل القرابة شرط أساسي؟ أم الدين أم المال أم ماذا؟ يمكن القول إن المجتمع الموريتاني لا يأبه للمال، فالقرابة هي أهم شيء، وهي الأساس أولا لقبول الزوج حتى ولو كان معدما.
ويؤكد سيدينا أن الزواج مؤسس على فكرة الألفة انطلاقا من معايير تلزم مراعاتها في كلا الطرفين متى ما استجمع الشروط أصبح بالإمكان ، لكن القرابة مستويات فما كان منها حميما لاشك انه يعرض للضعف المنهي عنه، ولا شك انه ظاهرة خطيرة تهدد المجتمع الموريتاني لانتشارها بشكل مذهل، بسبب قوة التقاليد الاجتماعية المحافظة.
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه
