لا يشبه سوق «الساتلايت» في دمشق أي مكان آخر في العالم، إذ يجمع في محلاته وورشه وأنماط العمارة فيه جميع المتناقضات، بحيث يبدو لمن يراه للمرة الأولى وكأنه خرج لتوه من قصص ألف ليلة وليلة.
عندما يدخل الزائر هذا السوق يصدمه منظر البيوت المهجورة الخربة في طوابقها العلوية، والحداثة غير العادية في المحلات التي تقبع تحتها، وكأن هذه اللوحة العشوائية تختصر صورة العرب في مطلع الألفية الثالثة، حيث يتجاور الكمبيوتر وبيت الشعر والجمل والفيراري.
اسم هذا الشارع الذي يدعى «السويقة» (تصغير سوق)، هو مصطلح مغاربي بحت جلبه المهاجرون الجزائريون معهم منذ قرن ونصف القرن إلى دمشق بصحبة الأمير عبدالقادر الجزائري عندما نفته سلطات الاحتلال الفرنسي.
وقبل سنوات خلت كان شارع السويقة سوقاً لصنع وبيع «صاجات» الخبز البلدي الذي يصنعه الفلاحون والبدو في قراهم ومضاربهم النائية، وكان هذا السوق يغص بمختلف الأزياء الفلاحية والبدوية لزبائن اعتادوا أن يقبلوا عليه منذ مئات السنين، ونشأت إلى جوار صناعة الصاجات هذه أيضاً صناعة أخرى رديفة، هي ورشات دلال القهوة المرة التي تعتبر إضافة إلى القدور النحاسية والمحامص اليدوية جل ما يملكه البدو من أدوات للمعيشة.
هنا كانت تصنع كل هذه الأشياء وكانت القوافل المتجهة من دمشق إلى نجد والحجاز تتوقف على مقربة من هذا المكان حيث يتزود المسافرون بكل ما يحتاجونه لإكمال حياتهم البسيطة المتقشفة.
وفي زاوية ما، يمكن أن ترى مطعماً يبيع لحم الإبل تتدلى أمامه رقبة جمل تبدو نافرة في المنظر العام، ربما هدفها فقط تذكير العابرين بأن القوافل كانت تمر من هنا، وأن الجمل معلم من معالم هذا المكان. أما اليوم فتبدلت الأحوال وصار المكان يدعى سوق الساتلايت حيث انقلبت ورشات «الصاجات» إلى ورشات لإنتاج الأطباق اللاقطة، ومحلات دلال القهوة إلى بيع برمجيات أجهزة الاستقبال، ومطاعم لحم الجمال أصبحت واجهات كبيرة لعرض أحدث التقنيات في عالم الساتلايت هذا.
بدأت فورة الساتلايت في سوريا منتصف التسعينات، حيث تم تركيب ما يقارب مليون جهاز استقبال في العام 1996وحده، في مختلف المدن والأرياف السورية، وكان جهاز الاستقبال (الريسيفر) هو القطعة الوحيدة المستوردة أو المهربة من الأسواق اللبنانية المجاورة، أما باقي الملحقات فيتم تصنيعها محلياً، ولذلك كانت تكلفة تركيب الساتلايت في سوريا من أخفض التكاليف الموجودة في العالم في ذلك الوقت إذ لم تتجاوز أكثر من 300 دولار أميركي في عز الطلب على هذه التقنية الجديدة، أما الآن فقد انخفضت بشكل كبير حتى وصلت إلى ما يقارب الـ 100 دولار بما في ذلك جهاز الاستقبال الديجيتال والأجهزة الملحقة به، حتى أن بعض المصادر تتحدث عن وجود ما يقارب العشرة ملايين جهاز «ريسفير» في سوريا الآن.
وتطورت مهنة «الساتلايت» خلال السنوات العشر الأخيرة في سوريا كثيراً، فبعد أن كان الأمر في البداية يقتصر على التركيب وتوليف المحطات، وصل الآن مع ثورة «الديجيتال» إلى حد تصنيع البرمجيات الخاصة بفك الشيفرات للقنوات المدفوعة الأجر، وكذلك القدرة النظرية على تصنيع أي قطعة الكترونية في هذا المجال.
ومنذ سنوات قليلة أتخمت السوق السورية بأجهزة «الساتلايت» ما انعكس إيجاباً على الأسعار. ومع انفتاح العراق بعد انهيار نظام صدام حسين لاحت للحرفيين السوريين سوق واعدة أمنت لهم قوت عيشهم منذ ثلاث سنوات، وفي كل يوم تأتي سيارات من العراق تحمل أعداداً كبيرة من الصحون اللاقطة وباقي المعدات بأبخس الأثمان لبيعها في السوق العراقية، التي لم تعرف عالم الساتلايت إلا منذ سقط النظام.
وبين المحلات التي كسيت بحلة قشيبة من المعاصرة، تلمح بقايا ورشات تصنيع الصاجات ودلال القهوة ومحامص البن، وعندما تسأل عن سبب بقائها في هذا السوق؟ يجيبك عجوز مقطب الحاجبين، قائلاً: «من ليس له قديم لا جديد له»، ويشير إلى المحلات المجاورة له متابعاً: «هذه الصحون ستختفي في يوم ما وسيعود الناس إلى دلال القهوة وصاجات الخبز البلدي». ثم يُتبع العجوز كلامه بابتسامة غامضة.
دمشق ـ تيسير أحمد
