كثيرة هي الحالات التي يلعب فيها الإهمال وإساءة استخدام الأدوات دوراً كبيراً في قلب الأمور رأساً على عقب، فالأفراح والأعراس تجمع الأهل والأصدقاء للاحتفال وإطلاق البهجة على سجيتها، لكن جرت العادة في عدة محافظات مصرية أن يكون هناك من السلوكيات ما تقلب مثل هذه الأفراح مآتم.
وذلك حيت يقدم أحد الحضور ممن يجهلون استخدام الأسلحة النارية على «مجاملة» أصحاب مثل هذه الأعراس بإطلاق الأعيرة النارية، وفي الغالب تخطئ هذه الأعيرة طريقها وتستقر في صدر أحد الحضور، أو جيران من يحتفلون، وهو ما يفتح أبواب المعاناة من المأتم إلى صراعات تالية كالثأر وغير ذلك.
هي العروس تجلس بين أترابها مسرورة، تترقب دخول فارس الأحلام ليأخذها إلى مسكن الزوجية بعد انقضاء مدة الساعات التي تحتفل بها الأسرة بالزيجة، يحيط بها الأقارب من الفتيات والنساء ليكملن زينتها، وفي الخارج يجلس الأب وإخوته وأقاربه وأصدقاؤه ليستقبلوا كل من يأتي مهنئا، الموسيقى تعزف، شاب يافع يمتطي جواده ويتراقص على الألحان والايقاعات، كل ذلك لم يكف شقيق العريس ويلم يرض فرحته العارمة بعرس أخيه، فأخرج سلاحه ليطلق بعض العيارات النارية على سبيل الإعلان أمام الجميع عن أنه يمتلك سلاحاً يدافع به عن شرف وعرض ومال الأسرة، للأسف كان إعلانه في غير محله لأن الأعيرة النارية أخطأت هدفها، واستقرت دفعة منها في صدر شقيق العروس.
فجأة دهم الوجوم كل الحضور، مات شقيق العروس على الفور، توقفت الموسيقى عن العزف وأبى الجواد أن يكمل رقصته، فجعت العروس.. وذبلت في العريس زهرة فرحة العمر، وهرع للبحث عن شقيقه الذي فر هارباً وبات مجرماً في نظر القانون، وقاتلا في نظر والد العروس ومن الواجب أن يقتل، فالثأر ضرورة لا مفر منها.
الأمر نفسه يتكرر مع عروس أخرى أحبت عريسها حينا من الدهر، وطالما انتظرت موعد الزفاف لكي تنتقل إلى العيش معه، وبالفعل علقت الأنوار ورتبت الزينات وحضرت الفرق الموسيقية للإعلان عن هذه الزيجة التي تمناها العريس وعروسه منذ زمن طويل، ولأن هذا العرس عقد في إحدى القرى المعروف عنها كثرة اقتناء سكانها الأسلحة النارية، كان العرس بمثابة ساحة للمنافسة المغلفة بالرغبة في المجاملة.
وفي لحظة غاب فيها الوعي عن أحد الشباب الحضور العاكف على إطلاق الأعيرة النارية، خرجت طلقة ضالة لتودي بحياة خال العريس وتحوله من رجل سعيد فرح بزواج ابن أخته إلى جثة هامدة، وتحول العرس إلى كارثة عائلية، فالقاتل تربطه علاقة قرابة بالقتيل، والفاجعة كبيرة ولا مجال فيها للفرح أو الزواج، بل بات المجال فيها فسيحاً للون الدم المسال، وتحريات وتحقيقات رجال الأمن.
في مدينة قنا جنوب مصر، حولت هذه العادة الكريهة السيئة مراسم الاحتفال بزفاف أحد الشباب إلى مذبحة راح ضحيتها ثمانية من شباب الحضور، وذلك عندما أقدم صبي لم يتجاوز من العمر السادسة عشرة، على استخدام بندقية آلية مملوكة للعائلة لتحية العروسين، وأثناء قيامه بإطلاق النار أصابت دفعة كاملة من الرصاص جانباً من الحضور بالحفل، وعلى الفور لقي ثمانية منهم حتفهم ونقل الباقون إلى أقرب مستشفى في المدينة.
عرس جنائزي آخر تولى فيه دور البطولة شقيق العروس ـ الطالب في المرحلة الثانوية ـ الذي أراد أن يطلق بعض الأعيرة النارية تحية للعروس التي وصل موكبها، وبالفعل أمسك بالبندقية الآلية التي يملكها والده وبدأ في إطلاق الأعيرة على دفعات متكررة، إلا أن الازدحام المحيط به كان خطرا، إذ اقترب منه طفل صغير ليمسك بيده القابضة على البندقية أثناء الضرب ليصيبه بعدم الاتزان، وهنا خرجت رصاصة من فوهة البندقية لتصيب شقيقه في مقتل، وهو ما جعل الشاب يصاب بحالة هستيرية دخل على إثرها المستشفى، بعدما تحول حفل الزفاف إلى عرس جنائزي.
واقعة أخرى لحادث راحت ضحيته طفلة صغيرة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، تركت أمها التي كانت تجلس معها أسفل شرفة منزلها وصعدت لكي تشاهد مراسم الاحتفال بزفاف أحد الجيران من الشرفة بعيداً عن الزحام، وبعدما لعبت الخمرة برؤوس المدعوين أخرج خال العريس سلاحه الناري وأطلق عدة طلقات نارية في الهواء، أصابت إحداها رأس الطفلة بينما هي تطل من شرفة المنزل المجاور، فسقطت قتيلة في الحال أمام أعين والدتها.
تعليقاً على هذه الحوادث المتكررة، يؤكد مصدر أمني مصري على أنه رغم جهود وزارة الداخلية لمنع ومحاربة ظاهرة إطلاق الأعيرة النارية، في مراسم الزفاف وغيرها من الاحتفالات التي يتجمع فيها الحضور، إلا أن هذه الجهود لا تزال عاجزة عن القضاء على هذه العادة التي تفشت منذ زمن طويل في المجتمع المصري وبخاصة الريفي منه، علماً بأن ضحايا هذه العادة كثرت بشكل مخيف خلال الآونة الأخيرة، مشيرا إلى أن هذه الظاهرة تمثل خطراً مجتمعياً وأمنيا، ولابد من التصدي لها بكل حزم وقوة لما لها من آثار أمنية مدمرة على المجتمع.
ويؤكد المستشار القضائي حسن عمر، على أن عادة إطلاق النار في الأفراح عادة مصرية قديمة، مرتبطة بالأساس بالمجتمعات الريفية التي يغلب عليها الفكر القبلي كتلك المنتشرة في صعيد مصر، موضحاً أن القانون يتعامل مع من يطلق الأعيرة النارية في مثل هذه التجمعات بغرض التهنئة والمجاملة لتصيب أحد الحضور وتقضي بحياته، على أنه مجرم ومتهم في جنحة قتل خطأ.
ويرى أن جهود وزارة الداخلية لمواجهة هذه الظاهرة ملحوظة، وإن كان التصرف القانوني حيال هؤلاء الخارجين عن القانون لا يزال هيناً وضعيفاً، حيث تقتصر وزارة الداخلية في هذه الأمور على سحب الترخيص من الشخص الذي خرج على القانون واستخدم السلاح المرخص في أمر غير المرخص له استخدامه فيه، بالإضافة إلى مصادرة السلاح الناري، أما التصرف مع الشخص الذي يستخدم سلاحا غير مرخص أو يحوزه فقط فيكون بتحويله إلى المحاكمة القضائية الجنائية لحيازته واستخدامه لسلاح غير مرخص.
القاهرة ـ هشام نصر
