قال د. عبد العزيز التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة إن الأمة السلامية تعيش حالة من التراجع الحضاري مشددا على ضرورة نفض التراب من فوق الرؤوس وشحذ الهمم والعزائم، وخلق جو من الحب والألفة بين الجميع والتوحد علي كلمة واحدة ورأي واحد يجمع المسلمين.
وحذر التويجري من محاولات التغريب الثقافي التي يقودها العالم الغربي ضد المسلمين، مشيراً إلي أهمية أن يدرك القادة الأميركان أن العالم يتغير، وأن لكل دولة خط حياتها وموروثاتها الثقافية، وعليهم أن يتجنبوا وضع بلادهم رهينة للسياسات والتوجهات الصهيونية. وأكد أهمية تكوين لجنة من خبرة علماء الأمة تكون متعددة الاتجاهات والاختصاصات للوقوف، والنظر في خطر التنصير، الذي اجتاح العديد من مناطق العالم الإسلامي. وفيما يلي نص الحوار:
ـ كيف تقوم المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة بدورها تجاه القضايا الإسلامية المعاصرة بشكل عام وقضايا الأقليات المسلمة في العالم بشكل خاص؟
ـ يتم العمل في المنظمة طبقاً لخطة عمل تتضمن برامج وأنشطة تربوية وعلمية وثقافية، تتجاوز المائة وسبعة عشر برنامجاً، تتفرع منها أنشطة كثيرة، ويتم تنفيذها في مجموعة الدول الأعضاء البالغ عددها 46 دولة، وفي أوساط الأقليات والجاليات المسلمة في الدول غير المسلمة.
وتقوم المنظمة بإيفاد خبراء ومتخصصين لمساعدة الدول الأعضاء لرسم سياستها في مجالات التربية والعلوم والثقافة للعمل في تطوير هذه المؤسسات لتواكب الحركات الموجودة في كل بلد يضاف إلى هذا النشاط الذي تقوم به المنظمة بالتعاون مع منظمات دولية، ونحن اليوم نقوم بتغطية مجمل الساحة الإسلامية ونتعاون مع المراكز والمؤسسات الثقافية للمسلمين في الدول غير الإسلامية لتنفيذ خطة العمل.
ـ القضية الفلسطينية ومأساة الشعب الفلسطيني هي محور اهتمام كل المنظمات العربية والإسلامية، ما هو الدور الذي تقومون به لخدمة أبناء الشعب الفلسطيني؟
ـ المنظمة من جانبها تقوم بالدور المنوط بها من خلال المؤسسات الثقافية والعلمية في فلسطين، وتقديم الدعم المادي لها، حتى تستطيع مواجهة الحصار الإسرائيلي، كما نعمل على جمع المساعدات والتبرعات من المؤسسات الخيرية والمنظمات في مختلف دول العالم الإسلامي لتدعيم الجهود في الوقوف بجانب إخواننا الفلسطينيين ومساندة صمودهم في الدفاع عن أرضهم ومقدسات المسلمين..
ولا يقتصر دورنا على تقديم المساعدات فقط، بل نقوم بمخاطبة كل الجهات المسئولة المعنية والتي يمكن أن يكون لها دور في رفع المعاناة عن الشعوب المهدرة كرامتها ودماؤها مثل الأمم المتحدة.. اليونسكو والدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن.. ونحن لن نقبل أن نقف موقف المتفرج علي ما تتعرض له شعوبنا من مجازر وظلم وعدوان ولابد أن يكون لكل شعب حقه في الاستقلال التام والحر، كما تقرر المواثيق الدولية.
ـ وما رأيكم في ما يقال عن محاولات التشويه التي يتعرض لها المسلمون من جانب الغرب بزعامة أميركا علي المستوى الديني والثقافي؟
ـ إننا نحترم الولايات المتحدة كقوة رئيسية واحدة في العالم الآن، ولكن يجب عليها أن تعي مسؤوليات دورها، وتتعامل معه بعدل وإنصاف، وأن لا تكون رهينة للسياسات والتوجهات الصهيونية.. وعلى قادة أميركا أن يعوا أن العالم يتغير وأن لكل دولة مصالح وخصوصيات وموروثات ثقافية يجب مراعاتها واحترامها.
ومن هذا المنطلق سينجح الأميركيون في استرداد مكانتهم كقوة كبرى في العالم إذا صارت في طريق العدل والإنصاف والتعامل مع الجميع بشكل كريم، ولكن إذا استمرت في التعامل بطريقة مستوحاة من غطرسة الصهاينة، فإن ذلك سيورط أميركا ويعرض مصالحها للخطر.
ـ من وجهة نظركم ما هي أسباب حالة الضعف التي أصابت الجسد الإسلامي؟
ـ هناك عدد من المشكلات التي ساهمت في حالة الضعف هذه ويمكن القول إنها تعترض سبيل تقدم المسلمين واستئنافهم لدورة حضارية جديدة، وأول هذه المشكلات الأمية المتفشية بين عدد مهول من المسلمين.. ثانيها: ضعف الإيمان وعدم الثقة بالنفس والتراجع والتقهقر عن مبادئ الدين وتقديم العون والمشورة للآخرين..
ثالثها الاستسلام لما يفرض علينا وعدم الرغبة في النهوض واستعادة قوانا المنهارة وآخرها المستوى الاقتصادي المنهار، رغم ما نملك من ثروات عاجزين عن استغلالها. . وهذا يفرض علينا ضرورة نفض التراب من فوق الرؤوس وشحذ الهمم والعزائم وخلق جو من الحب والألفة بين الجميع وتطهير القلوب والنفوس من أحقادها والتجمع والتوحد على كلمة واحدة ورأي واحد يجمع المسلمين من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
ـ في ظل محاولات التغريب الثقافي التي تتعرض لها الشعوب الإسلامية إلي أي مدي نجحت هذه المحاولات وهل يمكن مقاومتها؟
ـ التغريب الثقافي يكاد يطبق على أنفاس الجميع في كل دول العالم بفضل الإمكانيات المتاحة لأهل الغرب وكنتيجة لاقتصادهم القوي، ولكننا لا نقف مكتوفي الأيدي، فالمنظمة تسعى بالتعاون مع البنك الإسلامي لمحو أثر التغريب عن أفريقيا، وذلك عن طريق تنميط الحروف العربية لتكتب بها لغات الشعوب الأفريقية المسلمة.
وهذه خطوة أولى سيتبعها الكثير، ولقد بدأنا هذا منذ عام 1982 بغرض نشر الثقافة الإسلامية وتعليم اللغة العربية في دول الساحل الأفريقي علي أوسع نطاق بشكل يسمح لها بمواجهة حملات التبشير والتغريب، التي تتعرض لها الشعوب الأفريقية في كل ربوع القارة، وعقدنا العديد من اللقاءات والاجتماعات على مستوى القادة والدول في مالي وبوركينا فاسو، ولنا مراكز تربوية في تشاد وماروني بجزر القمر.
كما نمكن أبناء الدول الأعضاء في المنظمة من الحصول على منح دراسية في الجامعات العربية والإسلامية، كما لم نغفل ما يواجهه الإسلام وتراثه الحضاري من تحديات، فالأمر خطير مما يوجب تكوين لجنة من خيرة علماء الأمة متعددة الاتجاهات والاختصاصات للنظر في هذا التراث واستخلاص ما به من درر وإبداعات وتوظيفها في بناء المستقبل.
ـ وكيف يمكن مواجهة التحديات التي نالت من ريادة العالم العربي الإسلامي؟
ـ هذا يتطلب منا نحن العاملين في مجال العمل الإسلامي المشترك أن نزيد من تركيزنا على المشروعات والبرامج التي رسمت لنا سواء على مستوى وزراء الخارجية أو على مستوى الوزراء المتخصصين.. هذه التحديات هي حضارية في المقام الأول، ولا يمكن مواجهتها إلا بتحد حضاري موات ومماثل لهذه التحديات.
ومع الأسف مازالت الأمة الإسلامية تعيش حالة من الضعف والتراجع الحضاري، وذلك لأن جزءاً من أبناء الأمة لا يزال يعاني من الأمية، وهذه الأمية تضعف القدرة في المجتمعات الإسلامية على التفاعل المؤثر في مشروعات التنمية والتأثير في الحركة التنموية مما يحول بين كثير من الدول، وبين وصولها لأهدافها، وهناك أيضا التأخر الحاصل في مجال البحث العلمي ومناهج التعليم.
وتعاني الدول الإسلامية أيضا من صراعات واختلافات، وهناك الكثير جلي وواضح، وهو ما رأيناه في الشيشان وقبل ذلك كوسوفا والبوسنة والهرسك واليوم نري أفغانستان وفلسطين وكشمير وغيره لذلك علينا أن نعيد النظر في أوضاعنا وبأسلوب علمي وأن نتجاوز أخطاءنا، فالحركة الإنسانية في كل المجتمعات لابد أن نستفيد من أخطائنا حتى لا تتكرر وخير دليل الغرب وما حققه من إنجازات صناعياً وتكنولوياً ومعلوماتياً، فقد استفاد من تجاربه، ونجح بأن يصنع لنفسه مكانا، وأن يصبح قوة فاعلة علي الساحة الدولية حتى أصبحت ثقافته هي الثقافة الغالبة.
والعلاقة بين الحاضر والمستقبل، مترابطة ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر وتنظيم المستقبل.. وبناء أسس استراتيجية المستقبل، لابد أن ينطلق من الفهم الواعي لحاضر العالم الإسلامي، ويصدر من البحث الدقيق في قضاياه ومشكلاته تمحيصا ونقداً، ولقد كان العالم الإسلامي مسرحاً لتجربة تسلطية لم تعرف البشرية لها مثيلا امتدت قرابة قرن ونصف القرن.
وهي تجربة الاستعمار الذي أذاق الشعوب الإسلامية الكثير من صنوف العذاب المادي والمعنوي ولا تزال بعض آثاره قائمة حتى اليوم.. وأدي ذلك إلى الضعف العام في الكيان الإسلامي منذ قرون، وكان له الأثر القوي في تفاقم ظاهرة التراجع الحضاري، ونحن مدعوون إلى الأخذ بعين الاعتبار أسس الطرح الحضاري بين الأمة الإسلامية والعالم الغربي.
(خدمة وكالة الصحافة العربية).
