تُقسم حنان أبو عمر، ربة بيت من مخيم قرب نابلس أن زوجها لم يجد مالا يشتري به خضارا لأطفاله قبل العيد. وقالت حنان وهي تفتح باب الثلاجة القديمة في بيتها الفقير وسط المخيم: «حتى الخضار لم نعد قادرين على شرائه». وكان رب هذه الأسرة يعمل في مشروعات البنية التحية الممولة من قبل الدول المانحة للفلسطينيين والتي توقف معظمها منذ تشكيل حركة حماس الحكومة الفلسطينية في شهر مارس العام الماضي. وفقد هذا الشاب عمله منذ توقف المشروعات في منطقة نابلس ولم يتمكن من العثور على عمل بديل.
وقال رئيس المجلس الفلسطيني للتنمية والاعمار (بكدار) الدكتور محمد اشتية ان «الدول المانحة قلصت دعمها للفلسطينيين من 2 1. مليار دولار في العام 2005 إلى حوالي 300 مليون دولار فقط هذا العام غالبيتها (85 في المئة) جاءت من البلدان العربية».
ومع التراجع الهائل في الدعم الخارجي تقلصت مشروعات (بكدار) وهي المؤسسة التي تولت إعادة بناء البنية التحتية للأراضي الفلسطيني بعد قيام السلطة من 80 مليون دولار سنويا إلى حوالي 20 مليون دولار.
ويقول خبراء الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية إن تقلص الدعم الخارجي أدى إلى ارتفاع نسب الفقر والبطالة بصورة غير مسبوقة في الأراضي الفلسطينية. وقال دان رومان الممثل الخاص لمنظمة اليونيسف في الضفة والقطاع ان معدلات الفقر وصلت في هذه الأراضي إلى 70 في المئة. وتحدد المؤسسات الدولية والمحلية خط الفقر هنا عند 475 دولارا للأسرة المؤلفة من الأب وألام وأربعة أبناء. ويقول جميل رباح مدير مؤسسة استطلاعات الراي «نير إيست» في رام الله ان «نسب الفقر ارتفعت في عهد حكومة حركة حماس جراء الحصار المفروض عليها من 50 في المئة إلى حوالي 70 في المئة»، مشيرا إلى أن «هذه النسبة ترتفع بمعدل 5 2. في المئة شهريا».
وأعلن الاتحاد الأوروبي أخيرا أن مساعداته للفلسطينيين ارتفعت هذا العام بنسبة 27 في المئة ووصلت إلى 266 مليون دولار. وتعترف الحكومة «الحماسية» والمعارضة «الفتحاوية» على السواء بارتفاع هذه المساعدات لكنها تقول انها مساعدات موجهة للفقراء للبقاء على قيد الحياة وليس للتنمية التي تولد فرص العمل. وقال الدكتور نبيل شعث وزير الخارجية السابق الذي كان على علاقة مباشرة بكثير من الدعم الأوروبي الموجة للفلسطينيين: «الدعم من هذا النوع يقدم لمن لا يجد لقمة العيش، انه ليس دعما ماليا يدخل العملية الإنتاجية، بل دعم موجه للحالات الإنسانية».
ووجه ممثلو مؤسسات الأمم المتحدة وعدد من المؤسسات غير الحكومية نداء «استغاثة» للدول المانحة لزيادة مساعداتها الإنسانية للفلسطينيين مشيرين إلى التفاقم المطرد للفقر بينهم. ودعا ممثلون عن 12 وكالة تابعة للأمم المتحدة و14 منظمة غير حكومية هذه الدول لتقديم مبلغ 453 مليون دولار بصورة عاجلة لتلبية الحاجات الإنسانية للمواطنين.
وقال منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية كيفن كيندي: «اضطررنا إلى إطلاق هذا النداء بعد تفاقم الأوضاع الإنسانية»، مشيرا إلى أن «المساعدات المطلوبة ستخصص لمساعدة الفلسطينيين الأكثر فقرا بمن فيهم الأطفال الذين يشكلون نحو نصف السكان».
وأضاف كيندي: «ثلثا الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة يعانون حاليا الفقر، ويزداد بينهم أولئك العاجزون عن تلبية حاجاتهم الغذائية، فيما الخدمات الأساسية الصحية والتربوية في تدهور مستمر».
وجاء في النداء المكتوب أن «جزءا من المبلغ المطلوب (198 مليون دولار) سيوجه لمشاريع توفر وظائف، فيما يوجه الجزء الآخر (150 مليون دولار) لتوفير مساعدة غذائية لمن يحتاجون اليها». ولا تجد الحكومة الفلسطينية جوابا تقدمه على الأسئلة المثارة في الشارع الفلسطيني حول ارتفاع معدلات الفقر في عهدها سوى القول ان السبب هو الحصار، وانها تعمل بمختلف السبل على «فك هذا الحصار وإنهاء معاناة شعبنا». وقال الدكتور سمير أبو عيشة وزير المالية بالوكالة: «استمرار الحصار لن يجعلنا نتخلى عن واجباتنا تجاه شعبنا، وكل ما نستطيع ان نعد به هو مواصلة العمل على فك الحصار».
وتبدي الحكومة تفاؤلا بـ «فك تدريجي للحصار» خاصة بعد الجولة الأخيرة لرئيس الحكومة إسماعيل هنية التي تلقى أثناءها وعودا بدعم مالي. وقال وزير العمل محمد البرغوثي: «هناك إشارات عديدة ببدء تحلل هذا الحصار تدريجيا آخرها قيام دولة قطر بتبني رواتب العاملين في القطاعين التعليمي والصحي». وأضاف: «يبلغ عدد العاملين في هذين القطاعين حوالي 55 ألف موظف وإذا تمكنا من إيجاد دول أخرى تتبنى باقي العاملين فاننا سننجح في ذلك».
وقال أبو عيشة: «سبب العجز هو قيام إسرائيل بحجز أموال الضرائب والجمارك الفلسطينية التي بلغت حتى اليوم 550 مليون دولار، وفي أية لحظة نتمكن فيها من تلقي هذه الأموال فاننا سندفع جميع رواتب الموظفين المتأخرة».
رام الله ـ محمد إبراهيم