لم تكن الصورة نهاية عام 2005 ،كما هي عليه في نهاية 2006 في سوريا بالنسبة لنظام الرئيس بشار الأسد، فقد اختار نائب الرئيس السابق عبد الحليم خدام أن يعلن انشقاقه في آخر يوم من2005 ليبدأ سلسلة من التحركات المعارضة انتهت بمنع بث لقاءاته على المحطات العربية مؤقتاً، فيما كان رئيس لجنة التحقيق الدولية السابق ديتليف ميليس قد حدد أسماء ضباط سوريين كبار أراد استجوابهم في عاصمة غربية، بعيداً عن الضغوط التي زعم أنه يتعرض لها في دمشق.

هذا في وقت كانت الضغوط الأميركية والغربية قد وصلت إلى حد منع أو انتقاد أي سياسي يريد زيارة سوريا، مثلما حصل مع الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار. لكن ومع نهاية عام 2006 بدت الصورة مختلفة تماماً إذ تخلصت دمشق من الحصار السياسي المفروض عليها، وعادت الوفود الدبلوماسية تقصدها بحثاً عن مخارج من الأزمات في لبنان وفلسطين والعراق، في مؤشر على الاعتراف الغربي بالدور الإقليمي لسوريا.

* صدمة خدام:

وقد استيقظ السوريون في اليوم الأول من عام 2006 على وقع صدمة انشقاق النائب الأول لرئيس الجمهورية عبد الحليم خدام عبر مقابلة في قناة العربية، وسرعان ما ظهرت أصوات كثيرة داخل الحكومة السورية وفي الأجهزة الأمنية وفي البرلمان تتحدث عن سطوة الرجل وقوته داخل مطبخ القرار السوري وعدم القدرة على محاسبته، رغم إشارات الاستفهام الكثيرة حول فساده وفساد أبنائه الذين كانوا يمتلكون شركات ومصالح مالية كثيرة في سوريا.

ولكن الذي فاجأ الجميع هو تصريح الرئيس بشار الأسد لصحيفة «الأسبوع» المصرية بأن خدام كان مجرد أداة في مشروع لتفتيت الداخل السوري، ومنذ سنوات طويلة.

* جبهة الممانعة:

في هذه الأثناء بدأت ملامح جبهة ممانعة للمشروع الأميركي في المنطقة تظهر على السطح فحملت زيارة الرئيس الإيراني محمد أحمدي نجاد إلى دمشق أكثر من رسالة إلى أكثر من جهة في وقت اشتدت الضغوط على سوريا وإيران بسبب ممانعتهما للمشاريع الأميركية في المنطقة، حسب أدبيات البلدين.

وقد اجتمع نجاد في دمشق مع قادة فصائل المقاومة الفلسطينية ومع أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله وأعلن عن تشكيل جبهة ممانعة للمشاريع الأميركية.

* التحقيق الدولي:

وعلى صعيد التحقيق الدولي في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري فقد أعلنت دمشق ارتياحها لأسلوب القاضي الجديد سيرج براميرتز، الذي يمتاز بالسرية وعدم إشراك وسائل الإعلام بالمعلومات، قد نال هذا الأسلوب رضا المسئولين السوريين الذين طالما قد شكوا من تسريبات رئيس اللجنة السابق القاضي ديتليف ميليس لوسائل الإعلام، والتي أدت إلى إرباك التحقيق وأثارت الكثير من اللغط، وهو ما جعل الإعلام السوري يشن حملة ضد ميليس متهماً إياه بأنه ينفذ أجندة ضد دمشق لأنه يحمل ضغائن شخصية.

* هجمات إرهابية:

وشهد عام 2006 عمليتين إرهابيتين في العاصمة السورية، الأولى لمجموعة حاولت اقتحام مبنى التلفزيون السوري، والأخرى هاجمت مجموعة السفارة الأميركية في منطقة المالكي بدمشق، فقتل ثلاثة من عناصر المجموعة وجرح الرابع، فيما قتل مواطن وجرح أكثر من عشرة آخرين.

وذكرت وكالة الأنباء السورية أن قوات مكافحة الإرهاب أجهضت عملية إرهابية قامت بها مجموعة تكفيرية مسلحة مؤلفة من أربعة إرهابيين حاولت اقتحام مقر السفارة الأميركية بدمشق واستخدمت خلالها القنابل اليدوية والأسلحة الرشاشة.

* جبهة مقاومة في الجولان:

وكان لحرب يوليو بين حزب الله وإسرائيل أكبر الأثر في تشجيع شخصيات من الجولان السوري المحتل على تأسيس أول تنظيم لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لهذا الإقليم السوري الحيوي. وتضمن مشروع النظام الداخلي لـ «الهيئة الشعبية لتحرير الجولان» شكل التنظيم وقيادته وطرائق عمله ومجالها في الجولان المحتل والقرى الحدودية بغية تنظيم مقاومة شعبية مسلحة على شاكلة المقاومة اللبنانية.

وفيما اعتبر البعض أن مجرد الإعلان عن تأسيس هذه الحركة الشعبية يمثل استقالة للجيش السوري من واجب استعادة الجولان وإدانة للدبلوماسية السورية، رأى آخرون أن تأسيس الجبهة تم بضوء أخضر من السلطة وهو أتى تجسيداً لتبني الرئيس السوري بشار الأسد لاستراتيجية دعم المقاومة في فلسطين ولبنان.

* تغيرات دراماتيكية:

وفعلاً كما توقع السوريون فقد فتحت حرب يوليو اللبنانية وما تمخض عنها من نتائج، قناة عبور صغيرة لإعادة العلاقات السورية الغربية، خصوصاً أن ذلك ترافق مع تقرير بيكر هاملتون الذي تحدث عن اخفاقات السياسية الأميركية في العراق مقترحاً فتح حوار مع سوريا في هذا الشأن، وقد ارتفعت وتيرة الأصوات المنادية بإعادة عملية السلام بين سوريا وإسرائيل إلى مسارها في وقت بدا أن تحرك المعارضة اللبنانية بقيادة حزب الله أمن نقطة استناد قوية لسوريا في حوارها مع الغرب.

وقد شهدت سوريا أوسع حركة دبلوماسية لها منذ سنوات، فمكاتب المسؤولين السوريين لا تكف عن استقبال المبعوثين الدوليين خصوصاً بعد إعادة العلاقات الدبلوماسية بين دمشق وبغداد التي رأى فيها كثيرون في العالم الغربي مؤشراً إيجابياً من سوريا.

وهو ما أكده وزير الخارجية الهولندي برنارد رودولف بوت بعد زيارته إلى دمشق، حيث أكد أن سوريا لاعب رئيسي في المنطقة وعليها مسؤولية كبيرة، مشدداً على أن عيون أوروبا تتطلع إلى الدور البناء الذي يمكن أن تقوم به سوريا في كل من فلسطين ولبنان والعراق.

دمشق ـ تيسير أحمد