أجير القتل اليومي الذي تشهده شوارع بغداد والعديد من المدن الأخرى إلى إجبار العراقيين على البقاء في بيوتهم ليجتر منهم الحكايات عن الموت المجاني الذي لحق بالأهل والأصدقاء.

فقد تحولت بغداد مدينة السلام إلى مدينة يحكمها الخوف من المجهول الذي لا يرحم ابدا على حد قول فلاح عزيز الذي بدا حديثه عن حالة العنف اليومي التي تشهدها منطقة سكناه قائلا «ما ان يدخل الليل حتى تمتلئ المنطقة وأزقتها وشوارعها بالمسلحين الذين يصعب تمييز احدهم ولا يسمع الا دوي القنابل التي تنفجر هنا وهناك ولا رحمة حينئذ الا رحمة هؤلاء المسلحين».

وتابع «ذات يوم تعرض والدي البالغ من العمر سبعين عاما إلى أزمة قلبية في ساعة متأخرة من الليل وفشلت كل محاولاتنا للاتصال بإحدى المستشفيات القريبة للحصول على سيارة إسعاف.

. قررت ان اجازف للذهاب إلى المستشفى وما ان سمع المسلحون صوت محرك سيارتي حتى تجمهروا بالعشرات امام البيت وامروني بالبقاء بداخله والا فسيكون الرصاص هو الحكم ،وأضاف «فعلا بقيت حتى شروق الشمس وانسحاب المسلحين، ونقلت والدي لأضعه في غرفة العناية المركزة بسب تأخره في الحضور للمستشفى».

اما أبو محمد، صاحب سيارة التاكسي فقد كان كلامه طبيعيا وهو يتحدث في مواضيع سياسية تخص الواقع العراقي، وما أن وصل الحديث إلى الموت اليومي الذي يشهده الشارع العراقي حتى أجهش الرجل بالبكاء الطويل... وهو يتذكر مأساة أولاده الذين قضوا في مسلسل العنف الطائفي.

قال أبو محمد لوكالة « أصوات العراق»:« كان ولدي محمد ورافد البالغين من العمر (14عاما) ذهبا ذات يوم لزيارة اعمامهم في إحدى مناطق بغداد واختفيا هناك قبل ان يصلا إلى بيوت أعمامهم.» .

وأضاف «بعد ساعة من خطفهم اتصل بنا احد الخاطفين وابلغنا بأن محاكمهم الشرعية التي أسسوها لمعاقبة (المجرمين) حكمت بالإعدام على محمد ورافد.» وبعد خمسة ايام من الاتصال الهاتفي وجدت جثتي ولدي ملقاة في احدى المزابل القريبة من مكان سكني مع مجموعة من الجثث اغلبها تعود لشباب في مقتبل العمر لا اعتقد بأنهم ارتكبوا أي ذنب».

ابو على صاحب حافلة لنقل الركاب قال«اضطررت لترك العمل في الحافلة والبقاء في الدار خشية ان تتعرض الحافلة إلى انفجار يحولني وجميع من فيها إلى اشلاء».

وتساءل «إلى متى نبقى على هذا الحال، يبدو ان مستقبل البلد بات مجهولا ولايحمل اي تباشير للتغيير نحو حياة الاستقرار والامن ولاتزال الجثث تملأ الشوارع والمزابل ».وطبقاً لاحصاءات وزارة الصحة العراقية فان معدل الجثث التي تتسلمها دائرة الطب العدلي في بغداد تتراوح ما بين 50- 60 جثة يومياً لكن تقارير غير رسمية أشارت إلى انها تصل إلى 100 جثة في غالبية الاحيان.

وكان تقرير مجموعة مساعدة العراق التابع لمنظمة الامم المتحدة الذي صدر مطلع نوفمبر الماضي اشار إلى ان أعمال العنف في العراق ادت إلى مقتل (650) الف عراقي خلال السنوات الثلاث الماضية. وهو الامر الذي نفاه الناطق باسم الحكومة العراقية علي الدباغ، في حين ردت الأمم المتحدة بأنها اعتمدت الأرقام التي تنشرها وزارة الصحة شهرياً.

عمر طالب في كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد قال« تصلنا بين الحين والآخر منشورات تهددنا بعدم الاستمرار في الدوام بالجامعات وتؤكد المنشورات بأن من يخالف ذلك الامر فان الموت سيكون مصيرة لذلك فنحن حيارى بين ان نكمل دراستنا وخصوصا ان غالبيتنا على اعتاب التخرج او نستسلم للقدر ونكون اسرى بيوتنا».

وأضاف « امام هذا الواقع الملبد بالغيوم قررت الاستمرار في دراستي مؤمنا بقضاء الله وقدره لكني قلق بشكل كبير على حياتي لاسيما وانا اسكن احدى مناطق بغداد الساخنة».

وتساءل وليد الحمداني «اين الحكومة ياترى» وأضاف «أجبرت على ترك منزلي من دون سبب وجيه ولم يمهلني المسلحين حتى جلب سيارتي الشخصية لانهم اغلقوا مداخل الزقاق الذي يقع فية مسكني بالقواطع الخرسانية لذلك كان لابد من الاستسلام للقدر والهروب بعائلتي التي لم تذق طعم النوم الهانئ منذ شهور».

وتابع «أعيش الآن في واحد من مخيمات النازحين واقضي وقتي بين كيفية الحصول على مصدر رزق لأطفالي ومصارعة الحياة من اجل توفير النفط والغاز لأنها أصبحت اندر من الكبريت ».

بغداد ـ «البيان» :