إذا كان رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري رجل عام 2005 بامتياز في لبنان، فان لقب عام 2006 يذهب بدون شك للامين العام لحزب الله حسن نصر الله، بعدما تمكن بقيادته لحزب الله، انجاز ما لم ينجزه أي جيش عربي في أكثر من ستة عقود من النزاع مع إسرائيل، وهو إثبات قدرة على القتال دون الانكسار، ولأكثر من شهر، ضد جيش اعتاد على حسم حروبه مع البلدان العربية في غضون أيام، لكن ما ان وضعت الحرب أوزارها حتى اندلعت أزمة لبنانية داخلية، هدد الحزب وحلفاؤه في المعارضة بتصعيد احتجاجاتهم لإطاحة حكومة السنيورة في العام المقبل.
حرب 2006، والتي يمكن وصفها بالزلزال اللبناني لهذا العام، انتهت دون أن يحقق أي من الطرفين أهدافه المعلنة. فإسرائيل التي قالت في الأيام الأولى للحرب انها ستقضي على حزب الله لم تتمكن من ذلك إذ قاتلها الحزب بالوتيرة نفسها منذ الدقيقة الأولى حتى الدقيقة الأخيرة. أما حزب الله، وبالإضافة إلى فشله حتى الآن بتحقيق هدف عملية «الوعد الصادق».
حيث خطف جنديين إسرائيليين لمبادلتهما بثلاثة أسرى لبنانيين في السجون الإسرائيلية، فقد قبل بالقرار الدولي رقم 1701 الذي وضع حدا للعمليات العسكرية من جهة، إلا انه من جهة ثانية وضع الحزب تحت «الإقامة الجبرية» باستقدام 15 ألف جندي أجنبي إلى جنوب لبنان يسهرون على أن يكون قسم كبير من الجنوب منطقة خالية من كل سلاح ظاهر ما عدا القوات الدولية والجيش اللبناني، ما يحد حكما حركة عناصر وأسلحة الحزب على طول الحدود مع إسرائيل وبالتالي، يكون الحزب قد فقد قدرته على المناورة في هذه المنطقة.
دون الدخول في تفاصيل الحرب فان حصيلتها الميدانية كانت متصاعدة منذ أن بدأت إسرائيل عملياتها الحربية. وانتهت الحرب بمقتل أكثر من 1200 شخص وتهجير أكثر من مليون لبناني من قراهم في الجنوب والبقاع وحتى الضاحية الجنوبية لبيروت.
وظلت النتائج السياسية طي الكتمان حتى الأسبوع الأخير من الحرب حيث افتتحت المرحلة السياسية بقرار مجلس الوزراء اللبناني بالإجماع إرسال الجيش اللبناني إلى الجنوب، وهو الأمر الذي لطالما عارضه حزب الله بحجة انه لا يقبل بان يلعب الجيش اللبناني دور حرس الحدود الإسرائيلي. وكانت هذه الخطوة تمهيدا لصيغة القرار الدولي رقم 1701 الذي أوصى بانتشار قوة دولية من 15 ألف جندي في جنوب لبنان، تزامنا مع عدد مماثل للجيش اللبناني، ولكن بتعليمات واضحة بالا تكون المهمة البحث عن سلاح حزب الله ونزعه، باستثناء مصادرة كل سلاح ظاهر من قبل الجيش اللبناني وحده.
منذ أن دخل القرار الدولي حيز التنفيذ في الرابع عشر من أغسطس الماضي بدأت عملية الاستثمار السياسي لنتائج حرب يوليو بغض النظر عن تأثير الحرب على الداخل الإسرائيلي إذ ان الوقع السياسي لهذا الشهر من الدمار والقتل والتهجير في لبنان كان كبيرا جدا.
اشتعل النقاش منذ اليوم الأول لتوقف القصف، فبينما كانت قوى 14 آذار تقول ان الخاسر الأكبر هو لبنان بسبب ما خلفته آلة الحرب الإسرائيلية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي بالإضافة إلى الدمار والقتل. وبرر حزب الله موقفه بقدرته على الصمود في وجه العمليات العسكرية، وقدرته على الرد آن صاروخيا في الداخل الإسرائيلي أو على الجبهات من خلال تكبيد الجيش الإسرائيلي خسائر بالعتاد والأرواح لم يسبق لها مثيل.
وذهبت الأمور إلى ابعد من ذلك إذ تكرس واقع الاختلاف الداخلي بين حزب الله والسلطة خلال ما سمي بـ «مهرجان النصر الإلهي» حيث حل حسن نصر الله، وللمرة الأولى بعد الحرب، خطيبا في جمهور واسع جدا احتشد ليستمع إليه.
بدأت ترجمة هذه الخلافات الداخلية تتبلور، إذ لاقى حزب الله في معركته السياسية ضد الحكومة حليفه ميشال عون زعيم التيار الوطني الحر، وحركة أمل بقيادة رئيس مجلس النواب نبيه بري، وأحزاب وتجمعات أخرى عرفت بولائها لسوريا مثل تيار المردة وعلى رأسه سليمان فرنجية، ورئيس الحكومة السابق عمر كرامي والحزب السوري القومي الاجتماعي.
وتشكلت بذلك جبهة عريضة انضوت القوى التي تؤلفها تحت العناوين التي حددها حزب الله لهذه المرحلة. وتحول هذا التجمع في غضون اقل من شهرين إلى تكتل معارض كبير يحمل مشروعا سياسيا يبدأ بالمطالبة بثلث أعضاء الحكومة زائد واحد بما يتيح للأقلية منع الأكثرية من إقرار أمور مصيرية منفردة.
دام هذا الجو المشحون حتى 21 نوفمبر، اليوم الذي عادت به الاغتيالات السياسية لتطال وزير الصناعة بيار الجميل، ودخلت البلاد أسبوع حداد وسيف التظاهر لا يزال مسلطا فوق رأسها. كثرت التفسيرات حول اغتيال الجميل، فالمعارضة قالت إن هذه العملية تضر بها أولا، فيما أشار الموالون للحكومة أن الهدف من ذلك هو تعطيل نصاب الحكومة التي تفقد نصابها عند فقدانها ثلث أعضائها. فمع استقالة ستة وزراء وقتل وزير، أصبح النصاب مهددا.
واستمر جو الأخذ والرد هذا حتى اطلاق المعارضة لتحركها في الشارع في الأول من ديسمبر وتدشين اعتصام مفتوح في ساحات وسط بيروت ومحاصرة القصر الحكومي. ومنذ ذلك الحين، وصل التشنج السياسي إلى مراحل غير مسبوقة، وبخاصة مع مقتل احد المتظاهرين الشيعة في عراك وسط منطقة سنية تعرف بولائها للحكومة ورئيس الأكثرية النيابية سعد الحريري.
ويبدو ان القوى السياسية قررت ان تكون فترة أعياد نهاية العام هدنة ليتمكن الناس من التمتع ببهجة العيد، لكن المؤكد ان عام 2007 سيرى النور في لبنان على أزمة سياسية لم تتوقف عن التفاعل منذ «الوعد الصادق» في 12 يوليو الماضي، مع تهديد المعارضة بتصعيد أساليب احتجاجاتها مع قدوم العام الجديد.
