نجح القرار 1701 بوضع حد للعمليات العسكرية المدمرة على لبنان وأنهى بعد 33 يوما الحرب الإسرائيلية الممنهجة، إلا أنه لم يرس قاعدة متينة للسلم في الجنوب، بل كرس حالة هشة معرضة لكل الإحتمالات، لا سيما في ظل الخروقات الإسرائيلية اليومية الجوية والبحرية للسماء والمياه الإقليمية، ووسط مساع حثيثة محلية ودولية لتحريف مهام قوات «يونيفيل» المعززة وإدراج آلية عملها تحت البند السابع الذي يبيح استخدام القوة للجم أنشطة حزب الله على مختلف الصعد.
ورغم من الاختلاف في وجهات النظر وفي طبيعة مهام ودور كل من «يونيفيل» وحزب الله، إلا أن حراك الأخير الواسع المدى لم يتأثر بالرقابة الدولية المكثفة والحشد العسكري الأجنبي الذي تغلغل في أعماق القرى والبلدات الجنوبية، فالمساكنة بين الطرفين واقعة، وحدود ودور كل طرف بات واضحا ومفهوما بالنسبة للآخر الذي لا يريد افتعال مشكل من أي نوع كان وإن كانت قد حصلت وتحصل يوميا على أرض الجنوب بعض الإشكالات المتفرقة على خلفيات شتى.
السلاح مقدس ومخازن الذخيرة الممتدة على المساحة السفلية للجنوب محرمة وجهوزية حزب الله لمواجهة العدو الإسرائيلي على أعلى مستوياتها كما يقول القيادي في حزب الله النائب عن منطقة الجنوب حسن حب الله لـ «البيان»، الذي أكد أنه طالما هناك تهديد لأمن لبنان وسلامة أراضي لبنان واستضعاف دولي للمؤسسة العسكرية الرسمية المتمثلة بالجيش اللبناني فمن الطبيعي أن تستمر المقاومة بعملها واستعداداتها للتزود بالأسلحة والعتاد والتدريب والتنظيم لمواجهة أي طارئ أو عدوان.
وأضاف: «هناك ممنوعات توافقنا عليها مع قيادة اليونيفيل، وفي أساسها رفض المداهمات لأي مخزن من مخازن الأسلحة التي تعود للحزب وقد حصل حادثان من هذا النوع في بلدتين جنوبيتين وبعد متابعة الموضوع مع الجهات المعنية في القيادة الدولية عادت الأسلحة إلى أماكنها وحصلنا على وعد بعدم المساس باي مخزن أسلحة، فنحن نعمل على قاعدة ثابتة تقوم على أنه من حق اليونيفل مواجهة اي مظاهر مسلحة لكن ليس مصادرة السلاح غير الظاهر».
عناصر حزب الله هم أبناء القرى أنفسهم يستطلعون ويرصدون حركة العدو ويمارسون مهامهم التنظيمية والحزبية داخل قراهم ومناطقهم جنبا إلى جنب مع الجنود الدوليين وكأن شيئا لم يكن ، يقول حزب الله لم تتأثر حركة المقاومين بالحضور الدولي فنحن لسنا جيشا نظاميا بل جزء من الناس وحركته اليومية، لسنا بحاجة لنتسلق ونقف على رؤوس الجبال.
ونحن نشهر سلاحنا ولا لنضع أبراج مراقبة لنرصد حركة العدو، نحن لا نمارس مراقبات علنية بل نقوم بكل ذلك من نوافذ منازلنا وعمق أحيائنا، وعليه لم نفت تفصيلا منذ انتهاء حرب يوليو فأجهزتنا تعمل وكوادرنا تتحرك دون أن نخرق أي اتفاق ودون أن نفتعل أي إشكال مع الجنود الدوليين الذين حاولوا القفز عن بنود القرار 1701 في بعض الأحيان عندما داهم جنود الكتيبة الإسبانية بيوتا مدنية في بلدة حولا الحدودية.
وعندما حاولت أيضا الكتيبة الفرنسية مداهمة مخزن أسلحة في بلدة الغندورية بمحاذاة وادي الحجير حيث وقعت أصعب المعارك، لكنها مشاكل وجدت حلولا ومعالجات وأبلغنا القيادة الدولية رسالة واضحة مفادها ضرورة عدم المساس بحرمة المدنيين وحرمة جهادنا وفق تسوية محددة مفادها تقوم على احترام مهمتكم مقابل عدم عرقلة مهمتنا لمواجهة طموحات العدو.
آليات التعاون والتنسيق بين حزب الله و«يونيفيل» موجودة ولكنها ليست مباشرة كما في السابق، فالرابط المشترك بين الطرفين هو الجيش اللبناني الذي يعتبره الحزب قوة أساسية لديها استقلالية في القرار تستمد اليونيفيل منه قرارها وليس العكس، ويقول حب الله إنها قوات مساعدة مهمتها دعم الجيش وتمكينه من بسط سلطته على الأراضي، لكن كل التفاصيل خضعت وتخضع لموافقتنا بدءا من الانتشار مرورا بنقاط التمركز وصولا إلى خط الدوريات وغيره.
إلى ذلك، أكد المستشار السياسي للقوات الدولية ميلوش شتروغر لـ «البيان»على أن العلاقات مع حزب الله ليست مباشرة فالتنسيق اللوجستي يتم مع الجيش اللبناني والتعاون السياسي يتم مع السلطات اللبنانية، موضحاً أن اليونيفيل هي قوة مساندة ودعم للجيش اللبناني الرسمي وليس لأحد آخر وعليه فإننا معنيون بترتيب كل الإجراءات مع قيادة هذا الجيش التي تمسك بزمام الأمور في الجنوب منذ انتهاء حرب يوليو، لافتا إلى أن التنسيق كان في السابق مع قيادة حزب الله وكانت هناك لقاءات دورية أما اليوم فالأمور تبدلت واصبحت المرجعية هي الدولة اللبنانية.
وأوضح شتروغر أن حدة الخلافات تراجعت بعد تمركز الكتائب في القرى وانطلاق سير العمل بشكل تدريجي، مؤكدا أن التواصل واللقاءات المستمرة بين اللجان الأمنية المؤلفة من ممثلين عن اليونيف والجيش اللبناني ساهمت في تذليل العراقيل التي اعترت مهامنا في البداية، مؤكدا التزام حزب الله بالخطوط الأساسية العريضة التي وضعناها، لافتا إلى أن عدد الدول المشاركة رسى على 26 دولة ولن تدخل دول جديدة في عداد اليونيفيل، مشيرا إلى أن الخروقات الإسرائلية المتكررة على جنوب لبنان تُبلغ تفصيليا إلى مجلس الأمن في تقارير اسبوعية صادرة عن مقر القيادة في الناقورة.
عدد الكتائب الدولية العاملة في إطار اليونيفيل المعززة بلغ 26 كتيبة ينتمون إلى دول أوروبية وآسيوية وواحدة عربية هي قطر وأخرى إسلامية هي أندونيسيا، فيما وصل عدد الجنود المشاركين إلى 11 ألف جندي وضابط دولي، وهذا المزيج المجتمع في إطار واحد يمارس صلاحياته الموكلة إليه وفق قوانين وأهداف محددة ولكن ليس بذهنية واحدة فالانسجام ليس هو نفسه بين كل الكتائب العاملة والسكان المدنيين وهناك تفاصيل يومية تكاد تتطور إلى احتكاكات بين المدنيين والجنود الدوليين الذين يقومون ببعض «الاستفزازات» كما يقول الأهالي، إذ يتعاطون وكأنهم جيش محتل يزرعون الشوارع جيئة وذهابا بسرعة فائقة وبدبابات عسكرية تكاد تقتلع الإسمنت من مكانه دون أي احترام للسكان وأرواحهم وممتلكاتهم، وهم ايضا لا يطأون أسواق القرى وكأنهم يقاطعون المنتجات والمحال اللبنانية.
فيما لا يزال جنود الكتيبة الإيطالية يحرصون على مظاهر الاستنفار القصوى وهم يتجولون في آلياتهم العسكرية موجهين بنادقهم نحو رؤوس المواطنين، وهي ممارسات دفعت المدنيين إلى إهمالهم وعدم الاكتراث لأساليبهم وترجم ذلك في مقاطعة رؤساء بلديات القرى الجنوبية ومخاتيرها للقاء دعت إليه الكتيبة الفرنسية قبل ايام للتعارف، فيما أكد شتروغر أن القيادة الدولية تعالج شكاوى السكان المدنيين لإزالة كل الأسباب التي تؤدي إلى مضايقتهم وحدوث أي توتر في العلاقات بين الجنود والسكان.
بيروت- ثناء عطوي