عرض الرئيس المصري حسني مبارك أمس خلال لقاء مع فعاليات برلمانية ونقابية وسياسية مصرية تعديل 34 مادة في الدستور ومنها تعديل أسلوب انتخاب رئيس الجمهورية بما يضمن مشاركة أوسع من الأحزاب السياسية، وزيادة تمثيل المرأة في البرلمان، وتعديل نظام الإشراف على الانتخابات العامة، وكذلك تطوير النظام الاقتصادي نحو نزع الصبغة الاشتراكية عنه.
وتشمل الرسالة التي وجهها الرئيس المصري توسيع سلطة مجلس الشعب ومنح مجلس الشورى صلاحيات تشريعية، ووضع قانون جديد لمكافحة الإرهاب يستعاض فيه عن قانون الطوارئ.
وقال مبارك لأعضاء مجلسي الشعب والشورى وشخصيات نقابية بارزة التقاهم في قصر الرئاسة في القاهرة امس: «سأطلب من مجلس الشعب تعديل 34 مادة في الدستور»، تنطوي على تقييد بعض صلاحيات رئيس الجمهورية من بين 211 مادة تشكل الدستور، ووعد بأن المقترحات ستشمل نواحي عدة في الحياة السياسية والاقتصادية في البلاد، ووصفها بـ «النقلة النوعية تفتح أمام الديمقراطية آفاق جديدة وخطوة تاريخية ستشهد مصر انعكاساتها لعقود مقبلة». وركز على أن التعديلات هدفها في الأساس تأكيد مفهوم المواطنة وسيادة الشعب باعتباره مصدر الشرعية والسلطات وتعزيز الضوابط على عمل السلطة التنفيذية.
إلا أنه قال إن من بينها مقترحات بتوسيع صلاحيات البرلمان ومنحه سلطات أوسع مثل طرح الثقة بالحكومة وتعديل موازنة الدولة. وقال: «نشهد اليوم منعطفا هاما في مسيرة عملنا الوطني يخطو بنا خطوات واسعة نحو تطوير ديمقراطيتنا ويعزز بنيتنا الدستورية بإصلاحات جديدة»، وأضاف أن «التعديلات تطرح دورا جديدا لمجلس الشورى بتجاوز اختصاصاته غير الملزمة».
ومضى يقول إن من أهداف التعديلات التي يقترحها «تقوية دور البرلمان وتعزيز الضوابط على أعمال السلطة التنفيذية... تتيح لنوابه منح الثقة للحكومة لدى تشكيلها وسحب الثقة منها دون الحاجة إلى اللجوء للاستفتاء». وشدد على أن هذه الرؤية تتوخى «ترسيخ سيادة الشعب كمصدر للشريعة والسلطات من خلال تقوية دور البرلمان وتعزيز الضوابط على أعمال السلطة التنفيذية... ما يضفي المزيد من التوازن على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية... حيث تقترح هذه التعديلات سلطات وصلاحيات أكبر للبرلمان بمجلسيه. وتعزز دور مجلس الشعب بصلاحيات جديدة في مراقبة الحكومة ومساءلتها».
وأضاف مبارك أن التعديلات «تنطوي على تقييد لبعض صلاحيات رئيس الجمهورية مع مشاركة أوسع للحكومة في ممارسة أعمال السلطة التنفيذية، معتبراً أنها «تفتح الباب أمام المشرع لاختيار النظام الانتخابي الأمثل بما يعزز فرص تمثيل الأحزاب السياسية بالبرلمان. كما تفتح الباب أمام تطوير أسلوب إدارة العملية الانتخابية والإشراف عليها».
وينص الدستور على أن يشرف القضاة على الانتخابات العامة لكنهم يقرنون استمرار إشرافهم عليها بسيطرة كاملة على العملية الانتخابية وهو ما لا يبدو أن الحكومة ستوافق عليه. ومن المتوقع أن تقضي التعديلات بتشكيل لجنة للإشراف على الانتخابات بدلا من الإشراف القضائي. كما أنه بموجب النظام المعمول به حاليا فان هناك حاجة لموافقة الناخبين كي يكون بالإمكان تنفيذ طلب مجلس الشعب إقالة الحكومة. لكن المعارضين يقولون إن الإصلاحات الدستورية المزمعة ليس من شأنها إحداث تغيير يحد من هيمنة الحزب الوطني الديمقراطي على الحكم.
وفي إشارة يعتقد أنها موجهة إلى النشاط المتزايد لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة، قال مبارك إن التعديلات تستهدف أيضا مواجهة «أية ممارسات تخلط الدين بالسياسة أو السياسية بالدين»، لكنه لم يكشف عن تفاصيل التعديلات التي يقترحها. ونوه إلى انه سيطلب تشريع قانون جديد لمكافحة الإرهاب بدل قانون الطوارئ المعمول به حاليا والذي تطالب قوى المعارضة والهيئات الحقوقية وقف العمل به، إلا انه شدد على أن الأمن والاستقرار سيبقى خطا احمر لن يسمح بتجاوزه. وأوضح أن هذا الطلب في فلسفته ومنطلقاته يستند إلى اعتبارات عديدة، أهمها أنه يؤكد «مفهوم المواطنة وقيمتها ومبادئها.. فكلنا مصريون.. كلنا أبناء لهذا الوطن.. وكلنا متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.. لا تفرق بيننا عقيدة أو دين.. ولم نعرف عبر تاريخنا انقساما دينيا أو طائفيا».
ودعا الرئيس المصري في خطابه إلى حوار وطني جاد قبل التصديق على التعديلات المقترحة والاستفتاء عليها شعبيا.
من جانب آخر، قال مبارك، في ما رأى المحللون فيه، نية لإسقاط الصبغة الاشتراكية عن النظام الاقتصادي للدولة: «حرصت على ألا يفرض الدستور على المجتمع نظاما اقتصاديا يمكن أن يتجاوزه الزمن بما يفرزه من تطورات ومستجدات ولا يتأتى العدول عنه إلا بتعديل في نصوص الدستور وأحكامه. كما حرصت على أن تتوخى مقترحات التعديل تطوير مفهوم المحليات وتعزيز اللامركزية».
يشار إلى أن الدستور الحالي وضع في العام 1971 وأجري التعديل قبل الأخير عليه في العام 1980 بالنص على عدد لا نهائي من فترات الرئاسة بدلا من فترتين للرئيس الواحد وكان ذلك في عهد السادات. وكان مبارك (78 عاماً) قال في وقت سابق هذا العام إن العام المقبل سيكون عاما للإصلاحات الدستورية، بعدما عدلت المادة 76 من الدستور العام الماضي للسماح بإجراء أول انتخابات رئاسة تعددية لكن التعديل وضع قيودا على الترشيح تحول حاليا دون تقدم مرشحين لمنافسة مرشح الحزب الوطني إلا بموافقته.
وترفض معظم قوى المعارضة التعديلات باعتبارها غير كافية وتدعو إلى دستور جديد يتلاءم مع التطورات في مصر يتيح حريات أوسع للعمل السياسي ومنها حرية إنشاء الأحزاب ورفع القيود عن إصدار الصحف والفصل الكامل بين السلطات الثلاث وتحديد مدة لبقاء الرئيس في منصبه.
القاهرة ـ «البيان»، والوكالات
