تركزت السياسة الليبية على مدى العام 2006 على تعزيز وتطوير ومعالجة العلاقات مع دول العالم، وإجراء نقد ذاتي للأوضاع الداخلية، وتعزيز وحماية حقوق الإنسان التي كانت محل خلاف بينها وبين المنظمات الدولية.

وتمكنت ليبيا عبر السنوات الماضية من تصفية القضايا التي كانت عالقة بينها وبين الغرب والتي أثمرت هذه السنة بعودة للعلاقات الدبلوماسية مع أميركا وشطبها من قائمة الإرهاب. كما ضمنت طرابلس خلال العام الحالي تعهداً بريطانياً بتقديم الدعم الدولي لها عن طريق الأمم المتحدة ومجلس الأمن في حال تعرضها لأي اعتداء أو تهديد باستعمال الأسلحة الكيميائية أو البيولوجية.

ووقعت ليبيا مع أميركا التي ضمنت لعدد من شركاتها النفطية وشركة البوينغ عودة قوية للسوق الليبي اتفاقات تضمن وضع برنامج طويل المدى للتعاون بينهما في مجالات المواصلات والتعليم والصحة والبيئة.

وفي السياق الداخلي، تركزت السياسات المحلية على تطوير العملية الديمقراطية وتحقيق شعار «ليبيا الغد» وفقا للآليات السياسية المستمدة من «الكتاب الأخضر» الذي وضعه الزعيم الليبي معمر القذافي.

وأبرز الخطوات في هذا الاتجاه، كان تعزيز الأمن والاستقرار في البلاد وإطلاق ما سمي «30 ألف كومونة» تضم ثلاثة ملايين ليبي بواقع مئة مواطن لكل كومونة لها الحق المطلق في إقرار سياسة البلاد الداخلية والخارجية.

ويقول أستاذ العلوم السياسية أحمد خليفة إنه «يمكن أن نطلق على العام الحالي عام المراجعة والنقد الذاتي وتصحيح واستخلاص الدروس المستفادة من مسيرة الثورة الليبية وهو ما سبق وأن أكد عليه الزعيم الليبي نفسه في سبتمبر، وقد شملت عملية الإصلاح الداخلية عودة المئات من المعارضين الليبيين في الخارج. وأمرت الحكومة بإرجاع ممتلكاتهم ومساكنهم أو منحهم مساكن لائقة بديلة عنها على خلفية اللجنة التي شكلتها القيادة الشعبية الاجتماعية (المرجعية العليا للنظام السياسي في البلاد ) في شهر سبتمبر الماضي لمتابعة ودراسة أوضاع الليبيين المتواجدين بالخارج والأسباب التي أدت إلى ذلك سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو إدارية. ويقول سيف الإسلام القذافي إن 787 ليبيا كانوا يعيشون في الخارج عادوا إلى بلادهم في أعقاب دعوة والده لتشكيل لجنة للمرور على الليبيين المتواجدين في الخارج وحل مشكلاتهم. وعلى امتداد العام سعت الحكومة الليبية إلى معالجة الأوضاع الداخلية التي كانت تؤرق الليبيين خصوصا الغلاء وارتفاع الأسعار وأزمة السكن التي كانت مستفحلة على مدى السنوات الماضية إلى جانب مواصلة عملها على خصخصة الشركات العامة.

ومع ضخ الحكومة للمليارات من الدينارات لمعالجة تلك المشكلات فقد شهد العام 2006 تحسنا نسبياً في تصحيح وضع المعيشة وبدأت البلاد تشهد حركة عمرانية وتوافد المئات من المستثمرين العرب والأجانب للاستفادة من فرص الاستثمار التي أتيحت في البلاد.

ورغم ما آلت إليه قضية الممرضات البلغاريات أخيرا وصدور حكم جديد بالإعدام عليهن واتخاذ معظم دول الغرب موقفا تضامنيا معهن، إلا أن ليبيا كانت قد سبقت ذلك وعززت علاقاتها السياسية والاقتصادية والتجارية مع معظم دول العالم وارتبطت معها باتفاقيات مختلفة في مقدمتها النفط ما قد يخفف من أي أزمة قد تنشب بينها وبين تلك الدول.

ويقول خبير في العلاقات الدولية، طلب عدم الكشف عن اسمه، «إن ما قدمته ليبيا للعالم بمحض إرادتها وخاصة تخليها عن إنتاج أسلحة الدمار الشامل وتعاونها في مكافحة الإرهاب حاز على تقدير أميركا والدول الغربية». ويضيف أن تلك الدول لن تنسى هذا العمل لليبيا الذي قدمته على «طبق من ذهب في حين أن العالم اليوم لا يتحدث إلا عن الملفين النوويين الإيراني والكوري الشمالي».

وأصبحت ليبيا خلال العام الحالي اللاعب والمحرك الأساسي في كافة القضايا الأفريقية وتحولت الأمم المتحدة وأميركا إلى الاستنجاد بها لمعالجة القضايا في القارة السمراء،خصوصا في إقليم دارفور السوداني المضطرب.

واستضافت طرابلس خلال العام الحالي أيضاً العديد من القمم الأفريقية لوضع حد للظروف المأسوية التي يعيشها سكان إقليم دارفور ولمعالجة الخلافات التي دبت بين السودان وتشاد بعدما أعلنت الثانية أنها في حالة حرب مع جارتها عقب الهجوم الذي شنه متمردون سودانيون على أحد البلدات التشادية على حدود تشاد الشرقية مع السودان. وكان من أبرز ما سجله العام المنصرم تبني الزعيم الليبي في أبريل الماضي في مدينة تمبكتو المالية تشكيل قيادة شعبية اجتماعية لقبائل الصحراء الكبرى تضم قبائل السنغال وموريتانيا غربا إلى العراق شرقا مرورا بشمال إفريقيا ووادي النيل وبادية الشام والجزيرة العربية والقرن الإفريقي والسودان وتشاد والنيجر، غير أن قضية الهجرة غير الشرعية شكلت هذا العام الهاجس الأكبر للبلاد نتيجة الضغوط الأوروبية التي تحمل ليبيا مسؤولية ذلك باعتبارها دولة عبور، وهو ما دفع الأجهزة الأمنية إلى تكثيف جهودها للقبض على المتسللين وترحيلهم ووضع إجراءات تحد من دخولهم إلى ليبيا. (يو بي اي)