لم يكل الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة من توجيه نداءات العودة إلى أحضان الوطن لجزائريين اختاروا حمل السلاح منذ أكثر من عقد لإسقاط نظام عمل وأركانه سراً على تغييره قبل أكثر من عقدين.

ولعل ليس في الجزائر من هو أفضل من بوتفليقة نفسه ليفهم خطورة هؤلاء المسلحين الذين وضعوا نصب أعينهم إسقاط نظام ساهم هو نفسه في بنائه ثم صار من ضحاياه، رغم أن ذلك لم يمنعه من عقد العزم على تغييره من الداخل.

وفعلاً نجح بوتفليقة واستطاع أن يصل إلى هرم السلطة كخطوة أولى على أن تليها الخطوة الأهم وهي تغيير النظام وإصلاح إسقاطاته السابقة، وما عدا ذلك ليس إلا سوء تقدير لـ «سفهاء» لم يفهموا طبيعة النظام الجزائري ويعملون بـ «سفاهتهم» على تخريب إنجازات وقتل أبرياء وتشويه سمعة دولية خدمة لأعداء الجزائر كما يقول الرئيس.

ولا تزال الجزائر حبيسة عقلية الدولة القوية والشعب الضعيف، الدولة الغنية والشعب الفقير.ويدعو بوتفليقة إلى تغيير الذهنيات من أجل إحداث التوازن بين الدولة والشعب، لكن المسلحين ينادون بالثورة، وبقطع دابر هذا النظام الذي فتح لهم في ثمانينات القرن الماضي المجال للتحرك والنشاط الأمر الذي خلف انعكاسات رهيبة على الدولة والشعب معا منذ العام 1992. ويقول بوتفليقة «إن الدولة قوية لكنها رحيمة بأبنائها الضالين».

والدولة قوية بأجهزتها الأمنية ومؤسساتها الإدارية وبجيشها الذي ما انفك يتسلح ويعقد الصفقات والتحالفات الإستراتيجية وكان أهمها عقد صفقة تسلح بسبعة مليارات دولار مع روسيا هذا العام من جهة وإجراء تدريبات مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) من جهة أخرى. ومع هذا فإن الجزائر تحتاج إلى استقرار حقيقي لتنفيذ مشروع تنمية شامل يمتد حتى عام 2009 تاريخ نهاية الولاية الثانية للرئيس بوتفليقة، وبغلاف مالي يبلغ 140 مليار دولار وفقا لما أعلنه وزير المال الجزائري.

لكن مع بقاء ما بين 500 إلى 700 عنصر من تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال يحملون السلاح في وجه النظام ومشاريعه المستقبلية التي يحتاج إلى إنجازها في الميدان، بعدما نفد صبر الناس وبدأ غليانهم في معظم الولايات، فإن حظوظ تحقيق هذه التنمية وتاليا «إستراتيجية بوتفليقة» مهددة، ليس من طرف هذه الجماعة المتشددة بالذات .

وإنما من طرف من يتستر بها من جماعات المصالح داخليا وخارجيا التي تعارض سياسات بوتفليقة وتسعى إلى إلحاق الضرر بخططه. إذ سبق لبوتفليقة أن أعلن أن هناك رجالا في السلطة يعارضون سياسة المصالحة التي اعتمدها.

وقال المحلل السياسي الوزير الجزائري السابق عبد العزيز رحابي لوكالة «يونايتد برس انترناشيونال» إن إستراتيجية الجماعة السلفية أصبحت عالمية بفعل انضمامها إلى تنظيم القاعدة فهي الآن تطبق أجندة دولية داخل البلاد وتضرب مصالح معينة تتصل بالنفط والدبلوماسية وهما العاملان اللذان يبني عليهما بوتفليقة كل سياسته».

وأضاف إن «هذه السياسة مبنية على النفط والبريستيج وليس على علاقة الدولة بشعبها».وفي أي حال، فالسلطة تعيش هذه الأيام أزهى فتراتها وتخاف من إفساد عرسها. كيف لا وقد صمدت في وجه نحو 27 ألف مسلح من المتشددين وقتلت منهم نحو 17 ألفا، وأقنعت الآلاف غيرهم بترك السلاح.

وسبق لبوتفليقة أن أعلن أنه على استعداد للتسول من أجل شعبه، فهل يدفعه استعداده إلى دعوة قائد الجماعات المسلحة أبو مصعب عبد الودود إلى مائدة عشائه لكي يقنعه بأن لا يفسد عليه عرسه.

وتتباهى الحكومة الجزائرية بأن ليس في سجونها سجناء رأي، ويقول وزير الدولة أبو جرة سلطاني «أتحدى أيا كان أن يؤكد وجود سجين رأي واحد في الجزائر، إن الجزائر هي البلد الوحيد في العالم الثالث الذي لا يوجد فيه سجين سياسي أو سجين رأي». (يو.بي.آي)