كاد العام الحالي لينتهي وسوريا على عزلتها لولا تقرير لجنة بيكر ـ هامتلون وتوصياتها، ما أدى إلى عودة العلاقات الدبلوماسية بين العراق وسوريا، التي عملت أثناء ذلك على تعميق علاقاتها مع حليفتيها الإقليميتين إيران وتركيا في وقت بدا فيه حبل الغزل مع موسكو معلنا.
وأدت توصية لجنة بيكر هاملتون «بالتحادث الأميركي المباشر مع دمشق وطهران بصدد العراق» إلى إحداث ثقب صغير في جدار العزلة الدولية التي فرضتها واشنطن على دمشق منذ سقوط بغداد بيد قوات التحالف عام 2003.
وكانت مجموعة دراسة العراق التي يرأسها وزير الخارجية الأميركية السابق جيمس بيكر والنائب الديمقراطي السابق لي هاميلتون، أصدرت تقريراً سلّمته إلى الرئيس الأميركي جورج بوش دعا إلى إجراء إعادة نظر شاملة في السياسة الأميركية في العراق تتضمن اقتراحاً بإجراء مباحثات مباشرة مع إيران وسورية وسحب معظم القوات القتالية الأميركية من العراق في العام 2008.
وشكلت توصيات التقرير مخرجاً للعزلة التي فرضتها الولايات المتحدة على سوريا منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري في بيروت في فبراير من العام 5002. وما إن أعلن عن التقرير حتى تبادل العراق وسوريا التمثيل الدبلوماسي، إذ رفع العلمان العراقي والسوري في كل من دمشق وبغداد بعد قطيعة دبلوماسية استمرت منذ العام 1982.
وسبق خطوة إعادة العلاقات بأيام زيارة قام بها وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى العراق هي الأولى من نوعها لمسؤول سوري منذ سقوط العاصمة العراقية بيد قوات التحالف. كما أعقب تلك الخطوة بأيام قليلة زيارة لوفد عراقي أمني مهم إلى دمشق رأسه وزير الداخلية العراقي كاظم جواد بولاني ووزير الأمن الوطني شيروان الوائلي.
وإذ أبدى وزير الداخلية السوري اللواء بسام عبد المجيد «انفتاح» بلاده على أي مطلب عراقي يسهم في أمن جارها، فقد ربط الوفد الأمني العراقي وفي مساومة واضحة كل العلاقات الثنائية ولاسيما التجارية والاقتصادية منها بالملف الأمني والتعاون السوري فيه.
وبدأت بوادر انفراج في علاقات دمشق الدولية والخارجية مع تحرك أوروبي خجول تجاه العاصمة السورية مع نهاية العام الجاري. وجاء ذلك إثر تصاعد أصوات داخل أوروبا مطالبة بالحوار مع دمشق بشأن القضايا الإقليمية، ولاسيما ما يتعلق منها بالعراق ولبنان وفلسطين وهي أصوات انتقلت إلى إسرائيل نفسها الأمر الذي رحب به المعلم.وكسرت زيارة أرنولد شاينولد مستشار رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير حاجز العزلة حين قام بزيارة سرية إلى دمشق قبل نحو الشهرين كشفت عنها وسائل الإعلام.
وتم لاحقا التخفيف من أهمية الزيارة بصفتها آخر طلقة من جعبة بلير الذي سيغادر منصبه في وقت لاحق إلا أن هذه الخطوة عادت واكتست أهميتها بعد أن فتحت الباب أمام زيارات لمسؤولين أوروبيين آخرين كوزير خارجية النرويج جوناس غاهر ستويري ووزير خارجية هولندا برنارد بوست ووزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير. وعلى الرغم من أن هؤلاء شددوا في نهاية زياراتهم على «ضرورة إحلال السلام العادل والشامل» فإن مطالبهم من العاصمة السورية كانت معروفة ومكررة.
وخلافا لما كان سائداً من دبلوماسية مفرطة في التفاؤل قبل أعوام، فقد بدت الدبلوماسية السورية أكثر واقعية لجهة عدم التعويل كثيرا على هذه الزيارات مع الترحيب المسبق بها. وبدت هذه الواقعية جلياً في تصريح لنائب الرئيس فاروق الشرع حين أكد أن «زيارات هؤلاء القصيرة لا تسمح لهم بالتعرف على الوضع على حقيقته» وحمل جهات لم يسمها مسؤولية ذلك لأنها «ترغب في أن لا يعرف هؤلاء الوضع على حاله»، في إشارة إلى واشنطن.
ومهما يكن من أمر فإن تقرير بيكر هاملتون حمل نوعا من الفرج إلى دمشق باتجاه فك العزلة الدولية المفروضة عليها. ودمشق التي صنفت التقرير بأنه إيجابي وفقا لما أكده المعلم، ولاسيما على صعيد «دور جيران العراق والدعوة إلى إحلال السلام الشامل في المنطقة» ساومت الإدارة الأميركية بشكل صريح وواضح لقاء مساعدتها لها في العراق.
وجاء رد الفعل الأول عن الخارجية السورية التي أعلنت إن «الأولوية بالنسبة لسوريا هي استعادة الجولان».وفي كل الأحوال، عملت سوريا على مواجهة العزلة المفروضة عليها من الولايات المتحدة عبر تعميق علاقاتها مع حليفتيها الإقليميتين التاريخية إيران والطارئة تركيا. (يو بي أي)