كثيرة هي الممارسات والعادات العراقية التي بدأت تختفي أو تأخذ بالانحسار نتيجة تردي الوضع الأمني في العاصمة بغداد وضواحيها، والعديد من المدن الأخرى، لعل في مقدمتها اختفاء الأمسيات الجميلة وغياب الحركة المعتادة عن الأسواق العامة بعد ما كانت تعج بالمتبضعين .. ومن هذه العادات زيارة الأهل والأصدقاء، التي لم تعد حاضرة كما كانت في السابق بالنظر للتصعيد الأمني الخطير الذي تشهده المنطقة والذي أصبح يمثل هاجسا كبيرا لدى العراقيين الذين باتوا يفضلون المكوث في البيت على المغامرة بزيارة الأهل.
سميرة جميل (35 عاماً) ـ موظفة، اعتذرت عن تلبية دعوة إحدى الصديقات للمشاركة في حفل زفاف أختها، بعد أن فرض حظر التجوال على مدينتها بصورة مفاجئة، تقول:
«أتمنى زيارة الكثير من صديقاتي وأقاربي، إلا إن تردي الوضع الأمني وعدم وجود الاستعداد النفسي، كذلك، لا يساعدان على تحقيق تلك الأمنية». وتضيف «لدي عدة صديقات وكانت لنا ممارساتنا الخاصة حيث كنا نلتقي في الأسواق العامة، ونتغذى في احد المطاعم العامة كمجموعة بنات، أما الآن فقد اقتصرت زياراتنا، وفي فترات متباعدة، إلى البيوت والالتقاء بها».
وتجد إخلاص حاتم (40 عاماً) ـ ربة بيت في هذه الزيارات نوعا من الراحة النفسية لها ولعائلتها، لاسيما بعد اختفاء مظاهر الترفيه الأخرى مثل القيام بسفرات معينة أو التنزه في الحدائق العامة، إلا أنها تقول «إن الوضع الأمني المعروف جعلني أتنازل عن هذا الترفيه أيضا، حيث أخذت اختصر زياراتي للأهل، فبعد أن كانت زيارتي لهم أسبوعية أصبحت كل شهر أو أكثر، على الرغم من قرب منزلهم من داري نسبيا».
أما علي قاسم ( 43 عاماً)، المعلم الذي اعتاد، مع إخوته، على زيارة بيت أبيه في نهاية كل أسبوع فيقول «لقد كنا حريصين على تأدية هذا الطقس الأسبوعي، واللقاء ما بين زوجات الإخوة والأبناء، والتباري في عملية الطبخ الذي كان يقع في كل أسبوع على أحدى الزوجات».
ويضيف قاسم «كنا ولا نزال ندرك أهمية هذا النوع من التواصل الذي له مردودات ايجابية في مسألة تربية أبنائنا الذين سوف يعرفون ضرورة هذه التقاليد أو الثوابت التي أوصت بها اغلب الأديان السماوية، إلا أن الوضع الأمني المتراجع كان له الأثر الكبير في إيقاف هذا الطقس الاجتماعي بعد أن أدرك الجميع صعوبة تحقيق مثل هذه اللقاءات أسبوعيا وجعلها مقتصرة على المناسبات المهمة مثل أيام الأعياد والأفراح. وفي حالة مرض احدنا».
ولم يختلف رأي أبو فيصل (67 عاماً)عمن سبقه في الكلام، فهو يعد هذه الزيارات من أحب الأمور إلى نفسه، وهي مدعاة إلى سروره، حيث يتم فيها استرجاع ذكريات المحلات القديمة وناسها، إلا انه يعترف بصعوبة تحقيقها هذه الأيام ويقول «إن عملية التنقل والوصول للأقارب والأصدقاء لم تعد سهلة كما كانت في السابق، الأمر الذي أدى إلى عدم حضوري الكثير من المناسبات المهمة .. وآخر مرة زرت فيها عائلة ابني في منطقة المحمودية كانت زيارة سريعة ومرتبكة ولم استطع التجوال في المنطقة أو المكوث لديهم لوقت طويل».
وقال أبو دعاء (60 عاماً)، الذي كان جالسا بالقرب من أبي فيصل «لقد أوصى الله سبحانه وتعالى بزيارة الأقارب.. ثم استدرك هو يرفع جهاز الموبايل بيده الحمد الله الذي اوجد هذا الجهاز، فقد حقق نوعا من الاطمئنان على الأهل والأصدقاء ومعرفة آخر أخبارهم من دون تحمل مشقة الذهاب إليهم وتعريض النفس إلى الموت بعد أن أصبحت بغداد عبارة عن ساحة حرب، وجعل الزيارات مقتصرة على المناسبات المهمة فقط».
وأشار المهندس احمد جميل (37 عاماً) ملاحظة مهمة حول هذا الموضوع، فقد لاحظ اختفاء عادة الاهتمام بغرفة الاستقبال .. فيقول «أصبح هذا الاهتمام، في هذا الوقت، نوعا من الترف، فقد كنا في السابق نغيّر الأرائك بين الحين والآخر ونبدل الستائر الصيفية بأخرى شتائية وبالعكس ونحرص على اقتناء بعض التحفيات الجميلة لوضعها فيها، أما الآن فقد غاب هذا الاهتمام من قبل اغلب العوائل».
وتختلف أم زينب (49 سنة) ـ ربة بيت عن البقية فهي لم تأبه للظروف المعروفة، وتقول إنها تحرص على زيارة أمها مرتين في الأسبوع متحدية كل المصاعب. وتضيف «اعرف الوضع الأمني جيدا، لكن والدتي طريحة الفراش، ولا استطيع التخلف عن أداء هذه الزيارات وهي تمر في هذا الظرف العصيب.. وكذلك لكي أعطي أولادي درسا في بر الوالدين».
بغداد ـ «البيان»: