لأول مرة يتم طرح موضوع الإعلام الخارجي لدولة الإمارات، للمراجعة والمناقشات المفتوحة، ولأول مرة تلتقي نخبة مميزة من الدبلوماسيين والإعلاميين والأكاديميين، لفحص صورة الإمارات في التقارير الدولية والإعلام الأجنبي، والتفكر بصوت عالٍ في معالجة القصور، وتعزيز الإيجابيات، ووضع تصورات عملية لاستراتيجية إعلامية خارجية للدولة.
في الأسبوع الماضي، نظم معهد الإمارات الدبلوماسي، ورشة عمل بأسلوب العصف الذهني Brainstorming، لمناقشة موضوع الإعلام الخارجي للدولة في عصر العولمة. شارك فيها نحو أربعين دبلوماسياً وأكاديمياً وإعلامياً، وشخصيات إماراتية مهتمة بالشأن الثقافي والإعلامي والعون الإنساني الخارجي والشرطة المجتمعية وحقوق الإنسان ومحطات التلفزة الوطنية، وإدارة الإعلام الخارجي، ومسؤولو إعلام ودراسات في ديوان ولي عهد أبوظبي والمكتب التنفيذي بدبي ودائرة الإعلام والثقافة في الشارقة وهيئة أبوظبي للثقافة والتراث ووزارة الاقتصاد والهلال الأحمر والصحافة الوطنية.
وعن مداولات ورشة العمل هذه ومناقشاتها، وأبرز توصيانها أجرت «البيان» مقابلة موسعة مع السفير د. يوسف الحسن مدير عام معهد الإمارات الدبلوماسي وهذا نص المقابلة: ما هي طبيعة الإشكالية التي ناقشتها ورشة العمل؟
ـ الإشكالية تدور حول التساؤل؛ هل لدينا إعلام خارجي عصري في زمن العولمة؟ هل ندرك حقيقة وأهمية القوة الناعمة Soft Power المؤسَّسة على الانطباع والصورة وذخيرة القيم والأفكار، والتي تؤثر في الرأي العام والبيئة الدولية، وتسهم في تشكيل الأجندات الإقليمية والدولية؟ ألسنا في حاجة ماسة، كدولة صغيرة، إلى هذه القوة الناعمة لتسويق نفسها، وتفسير مواقفها وسياساتها وطموحاتها، بطريقة جذابة ومقنعة وذات مصداقية؟
مثل هذه الأسئلة وغيرها، كانت مطروحة على بساط الفحص والتقييم والتفكر، بكل صراحة وشفافية، وأسهم المشاركون والمشاركات في تفكيك كل هذه الأسئلة، بحثاً عن نقاط القوة ونقاط الضعف والقصور.
وقد راجعت ورشة العمل، تجربة الإعلام الخارجي في المرحلة الماضية، وقدم الأخ إبراهيم العابد، مدير إدارة الإعلام الخارجي ومدير وكالة أنباء الإمارات، شرحاً وافياً لإنجازات هذه التجربة، وما واجهته من تحديات وأزمات تعاملت معها بكفاءة، رغم قلة الإمكانيات الفنية والبشرية والمادية، ورغم كون أن المنخرطين في الإعلام الخارجي للدولة، هم لاعبون كثر و جهات متعددة.
كانت أحياناً تفتقد إلى التنسيق، وقلة المعلومات أو تناقضها... وتركز جهودها بشكل أساسي على «إدارة الأزمة» عند وقوعها أكثر من العمل بشكل إستراتيجي بعيد المدى.
ـ هل تغيرت أهمية الإعلام الخارجي بين الأمس واليوم؟
ـ نعم تغيرت بشكل دراماتيكي، وازدادت بشكل مذهل، في مفاهيمها وأدواتها وأساليبها. وذلك بفعل تداعيات تفجر ثورات الاتصال والمعرفة والمعلومات والتكنولوجيا، وتغير معاني القوة في العلاقات الدولية، واختفاء الحدود بين ما هو في الداخل وما هو في الخارج، وصارت الأحداث والتصرفات الداخلية في أي دولة، شأناً دولياً. والقضايا الدولية لها انعكاساتها على الداخل، ولم تعد الدولة اللاعب الوحيد في العلاقات الدولية، فهناك لاعبون جدد، وعلى رأسهم الشركات الكبرى عابرة الحدود والقوميات.
والمنظمات غير الحكومية والفضائيات التي أصبحت «صانعة للحدث»، أكثر منه شارحة أو ناقلة له، إضافة إلى بروز دبلوماسية جديدة هي الدبلوماسية العامة Public Diplomacy، التي تتجاوز الحكومات ووزارات الخارجية، لتخاطب الجمهور والرأي العام، وتتفاعل معه، لتصحح صوراً نمطية سلبية أو لتسوق سياسة وقيماً واقتصاداً وأفكاراً..... الخ.
الدنيا تغيرت، ومعها تغير الإعلام الخارجي للدول، ومالت الكثير من الدول لصك سمة أو ماركة لها في مخيلة الشعوب الأخرى، وأنفقت مئات الملايين من الدولارات لهذا الغرض.
وعلى سبيل المثال، فإن النرويج ركزت على «بروفايل» دولي لها وهو أنها «وسيط سلام» وأخذت بذلك اهتمام العالم... وكذلك فعلت كندا، ودول أخرى صغيرة ومتوسطة... حتى الدول الكبرى، والتي تملك القوة الخشنة Hard Power، فإنها أخذت تهتم كثيراً بمسألة الدبلوماسية الإعلامية الشعبية. وعلى سبيل المثال، فإن أميركا حينما كانت سمعة قوات المارينز هابطة، أثر إحداث سجن أبو غريب، حركت آلتها الإعلامية الخارجية لتقديم المارينز كقوة إنسانية إنقاذية، أثناء نجدة ضحايا إعصار تسونامي في آسيا.
ـ هل ناقشت ورشة العمل صورة الإمارات في الإعلام الخارجي؟
ـ نعم... ناقشتها بالعمق، وقدم إعلاميون ومختصون مشاركون، قراءات غنية لهذه الصورة. سواء في الإعلام الأجنبي أو في التقارير الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان، والصادر بعضها عن جهات دولية وعالمية رسمية أو عن جهات غير حكومية غربية مستقلة.
ولا شك أن بعض هذه الصور كان مغرضاً ومتحاملاً، وبعضها تلفيقي وغير علمي، لكن البعض الآخر كان يعبر عن سلبيات وتصرفات فردية سيئة، تنبذها قيمنا وقوانيننا.
وقد فحصت ورشة العمل ملفات «أطفال سباقات الهجن» وتداعيات التحول التنموي السريع، وما نجم عنه من خلل في التركيبة السكانية، وتعاظم حجم العمالة الأجنبية في قوة العمل، وما صاحبه من مضاعفات سلبية على بيئة الأعمال والعمال ومسائل الحقوق المالية، وقضايا أخلاقية (تجارة البشر) مصدرة إلينا عبر توترات وتحولات في بلاد أجنبية.
ومن حسن الحظ، أننا استدركنا كل هذه الملفات، من خلال استكمال القوانين اللازمة، والإجراءات الحاسمة، وتحملت الدولة أثمان استحقاقات هذا التطور السريع في التنمية والانفتاح، وأشركت معها في المعالجات، منظمات دولية وأممية.
لكن تظل الصورة زاهية في إطارها العام، فالدولة والحمد لله، لا أعداء لها، وصورتها العامة كما ألخصها في كلمات موجزة أو عصارات: (مجتمع حي وديناميكي ومزدهر ـ مجتمع آمن ومنفتح ـ يحترم الأديان ويحمي الحريات الدينية ـ كريم في مساعداته الإنمائية والإنسانية ـ محب للسلام ومؤمن بحل النزاعات بالطرق السلمية / يسهم في استقرار أسواق النفط وأسعاره / بيئة جاذبة للاستثمار والسياحة / مكانة المرأة فيه عالية..... الخ).
ـ لكن هناك مازالت صور نمطية سلبية أخرى عن الإمارات؟؟
ـ الإمارات جزء لا يتجزأ من منظومتين، الأولى إقليمية خليجية، وأخرى عربية إسلامية. وبالتالي فإنه يلحق صورتها ما يصيب هاتين المنظومتين من نقد أو هجوم أو تجني.
وقد تحدث عن هذه الإشكالية في الندوة، الكثير من المشاركين، وأخص بالذكر زكي نسيبة، وغسان طهبوب وعبدالله العويس وابتسام الكتبي وسلطان العلي، ونجم الحوسني، ومحمد اسماعيل الزرعوني، ومحمد الحمادي، وجاسم عبد الغني، وعبدالحميد أحمد وحصة لوتاه، وغيرهم.
ومن بين هذه الصور النمطية، ما هو متعلق بالمرأة والديمقراطية والنفط وتجارة البشر، ومنها ما هو متعلق بقضايا العنف والتطرف والإصلاح والتجديد، والدول الفاشلة وغيرها. لكن في مجمل الصورة، فإن الإمارات تتمتع حتى الآن، بصورة إيجابية، ويظل النجاح له أثمان وضحايا.
وكما يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في حديثه الأخير لجريدة الاتحاد:«إن التقدم الذي أحرزته الإمارات، والشهرة التي حازتها، وضعتها في بؤرة الاهتمامات العالمية، بما في ذلك، المنظمات الدولية الأهلية المهتمة بحقوق الإنسان».
وبالتالي، فإن المطلوب منا، مسؤولين وغير مسؤولين، أن نتعامل مع هذه الصور السلبية التي قد تظهر في التقارير الدولية بموضوعية كاملة، نصحح ما هو خاطئ، ونتواصل بطريقة علمية وواعية ومستديمة مع مراكز صناعة التقارير والإعلام الأجنبي ومراسيله في الداخل، وندعو الجهات المسؤولة في هذه التقارير لزيارة الدولة ولقاء المسؤولين والاطلاع على الوقائع كما هي، كما يقول سمو الشيخ محمد بن راشد.
ـ هل الإعلام الخارجي، من مسؤولية الحكومة وحدها أم أن هناك أدوارا أخرى مطلوبة من المجتمع؟
ـ إنها مسؤولية حكومية بالدرجة الأولى، وبالتالي تتطلب رؤية واضحة، ورسائل بمضامين متسقة، وبتحديد واضح لمسؤولية المتحدث الإعلامي ودوره، وبمعلومات جاهزة واقعية غير متضاربة، وبامتلاك أدوات عصرية نشطة ومستيقظة ومبادرة ومدربة وعارفة.
لكن أيضاً، هناك حاجة ماسة لكي ينخرط في هذا الإعلام الخارجي للدولة، قطاعات أخرى واسعة، من المثقفين والفنانين ورجال الأعمال والصحفيين والأكاديميين وقادة الرأي العام والمرأة النشطة والجمعيات... الخ.
وأذكر في هذا المجال، أن الفريق الموسيقي البريطاني الذي أقام حفلات عبر العالم لمكافحة الفقر في إفريقيا في العام الماضي، خدم صورة بريطانيا في الخارج، أكثر مما تخدمها نشاطات عشرات السفارات ومراكز الإعلام البريطانية.
وكذلك الحال مع الإمارات، فإن المبادرة الإماراتية لإزالة الألغام الأرضية المضادة للأفراد في جنوب لبنان، قد سمت بصورة الإمارات شعبياً ورسمياً بشكل منقطع النظير. رغم أننا قصرنا في تسويق هذه المبادرة الإنسانية على المستوى العالمي. وربما تصلح هذه المبادرة، لتطويرها على مستوى دولي، لتكون عنصراً أساسياً من عناصر (الماركة) أو السمة المراد تسويقها في العالم.
ـ يلاحظ أن إعلامنا الخارجي مازال يعمل كرد فعل وليس كمبادر؟
ـ ربما هذا صحيح إلى حد ما. أن جزءاً من مهمات هذا الإعلام هو التعامل مع الأزمات، لكن في تقديري أن الإعلام الجيد هو الإعلام المبادر، صاحب الخطط المتوسطة والبعيدة، وصاحب الرؤية الشاملة والعامل بروح الفريق.
ومن المؤكد، أن هذا الإعلام الجيد، يحتاج أن تسبقه رؤية سياسية وطنية واضحة تجاه أسئلة الداخل والخارج، وأن يتوفر أمامه مناخ يحترم النقد، ومزاج يحفز التحليل والرؤية النقدية وقبول الرأي الآخر. لكنه يتحول إلى إعلام أعرج، حينما تغيب الرؤية، وتختفي المعلومة الصحيحة، ويمتنع المسؤول عن الإدلاء بالرأي أو الموقف. أو تكون القاعدة الإحصائية مثلاً متضاربة.
ـ كيف ترى صورة الإمارات لدى الجاليات الأجنبية التي تعيش داخل الدولة؟
ـ للأسف، أننا لا نملك حتى الآن أجهزة أو مركزاً وطنياً لقياس الرأي العام، ومعرفة الصور الانطباعية للإمارات لدى هذه الجاليات، متعددة الثقافات والجنسيات والألسن والأعراق والمعتقدات.
إنه من الضروري، معرفة إدراك الآخرين لك، مثلما هو مهم أن تعرف حقيقة مدركاتك عن الآخر. ولنعترف بشجاعة، أننا لم نوصل رسالتنا الإعلامية إلى هذه الجاليات حتى الآن، ولم نسع جادين وبطرق علمية، لتقديم هويتنا وثقافتنا ولغتنا وأنظمتنا وقوانيننا وتقاليدنا وسياساتنا، فحينما يعود أعضاء هذه الجاليات إلى بلدانها، علينا أن نتساءل ما هي الصورة والانطباعات عن الإمارات لديها.
لقد تساءل الكثيرون من المشاركين في ورشة العمل، حول غياب برامج تلفزيونية وإعلامية وطنية بلغات أجنبية موجهة إلى هذه الجاليات، خاصة بلغات البشتون والأوردو والفارسية والإنجليزية.كما أثيرت في ورشة العمل، مسألة ضعف اهتمامنا في بناء جمعيات صداقة إماراتية أجنبية، وضرورة دعمها والتواصل معها. إضافة إلى غياب المراكز الإعلامية الإماراتية في الخارج.
ـ من هو في رأيك، الجمهور المستهدف من إعلامنا الخارجي؟
ـ هو جمهور عريض، يبدأ من الحكومات الأجنبية والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية والنخب، وينتهي إلى رأي عام خارج الدولة، وآخر في داخلها يشكل نحو أكثر من 75% من سكانها.
وهذا الجمهور العريض ـ هو جمهور متنوع، بعضه متعاطف، وبعضه الآخر غير متعاطف يحمل صوراً نمطية مشوهة عن الإمارات. وهناك أيضاً جمهور محايد ليس لديه موقف أو انطباع ما.
وفي كل الأحوال، يفترض بالمخطط للحملات الإعلامية أن يملك دراسات موثقة عن الجمهور المستهدف. وأن يهتدي إلى مضمون ملائم للرسالة الإعلامية الخارجية. فجمهور هونغ كونغ أو سنغافورة أو كوريا، يتطلب رسالة إعلامية، مختلفة عن الرسالة الإعلامية الموجهة للفرنسيين أو الألمان أو الشعوب الإسكندنافية. وكذلك الأمر مع الرسائل الإعلامية الموجهة للأفارقة جنوب الصحراء أو الإيرانيين وهكذا دواليك.
لكن في كل الظروف، ينبغي تبني سياسة ما يعرف «بكرة الثلج المتدحرجة»، عند تخطيط الإعلام الخارجي، والتي تسعى إلى خلق رأي عام عالمي متفهم لقيمنا وخصوصياتنا وسياساتنا، بنَفَس هادئ وطويل المدى.
ـ ما هي الثغرات الموجودة في إعلامنا الخارجي؟
ـ الإعلام الناجح والمؤثر والمستديم، هو القائم على التخطيط ووضوح الرؤية والأهداف، وامتلاك الرؤية الشاملة، والقدرة والمهارة والإمكانيات، ووجود التنسيق بين إعلام «المحليات» والوزارات والمؤسسات الرسمية، والإعلام الخارجي هو غير العلاقات العامة، وغير «البروبوجندا»، وغير الحضور البارد والتجميلي في المناسبات الدولية والمعارض العالمية، وغير إعلام الأزمات أو المناسبات أو ما هو آني.
كما أن أدواته ليست مجرد الأدوات الإعلامية الكلاسيكية من صحافة وإذاعة وتلفزة ووكالة أنباء، إنما هو أشمل من ذلك. وهو اليوم أدوات إلكترونية ومواقع انترنت وأقراص مدمجة وبوابات إلكترونية، وبرامج تبادل ثقافي وتعليمي، وأدوات مؤسساتية نشطة، ومعارض فنون ومهرجانات رياضة ومسرح وسينما، ونشاطات لجمعيات المجتمع المدني وفرق رياضية، ومتحدثون رسميون، ومعلومات ذات صدقية، ومراكز أبحاث بشبكات تواصل عالمية دبلوماسية شعبية متحركة ومنخرطة في النقاش العام الدائر في العالم من حولنا.
تسألني عن الثغرات... نعم هناك ثغرات ونواقص، لكنها قابلة للعلاج والاستدراك، إذا ما توفرت الإرادة والرؤية والإمكانيات... وعلى سبيل المثال، فإنه رغم الوجود القانوني لنحو 32 كنيسة معتمدة في الإمارات، فإن خطابنا الإعلامي حول حرية الأديان في الإمارات، إما غائب أو غير فاعل ولا أثر له في التقارير الدولية والرأي العام الغربي المسيحي.
وربما في الداخل أيضاً، حيث هناك أغلبية لا تعلم أن الإمارات كان يوجد فيها قبل نحو مائة عام، معابد للبوذيين، وإن الكنائس بنيت فيها منذ خمسينات القرن الماضي، ومنحت الأرض لها مجاناً. وإن الكنائس الحالية تمثل نحو 11 طائفة كالانجليكان والأرمن والأثيوبيين واليونان الأرثودوكس والرومان الكاثوليك والسوريين الأرثودوكس، وكنيسة جنوب الهند، والايفانجلست.
وهناك أيضاً نحو 39 معبداً إضافياً وطوائف غير معتمدة من الكنائس العامة، كطائفة المورمون، وهي معابد تتخذ من منازل وفلل لها كأماكن للصلاة ومراسم الزواج. لكن للأسف، إننا لا نجد لهذا الوضع، مكاناً في التقارير الدولية الغربية عن الحرية الدينية في الإمارات... ولا أدري من هو المقصر في هذا المجال.
هذا مثال بسيط على الثغرات،.. المهم هو المعالجات العلمية، والخطط الإعلامية الاستباقية، والريادة في المبادرة والتخطيط المنسق والطويل المدى.
ـ كيف ترى مسألة إلغاء وزارات الإعلام في بعض الدول؟ ومن هو المسؤول عن هذا الموضوع الآن؟
ـ في البداية، لابد من إدراك إن هناك تحولات جذرية جرت في أدوات وأساليب وتقنيات الإعلام والاتصال، سواء على الصعد القانونية أو الثقافية أو السياسية.
كما لابد من معرفة أن معظم مصادر الرسائل والمعلومات التي يلتقطها الناس في الخارج عن أي دولة، هي مصادر لا تتحكم بها الدول ولا الحكومات. فالكتب والأفلام والمواقع الإلكترونية والأقراص المدمجة وبرامج التلفزة، وحتى الأحداث والأفكار، صارت في معظمها خارج احتكار الدول، وبالتالي فإن هذه التحولات قلصت من أدوار وزارات الإعلام، بل إن معظم الدول قامت بإلغاء هذه الوزارات. ومالت إلى إنشاء مجالس إعلام وطنية، مجالس للثقافة، وأخرى للسياحة، وغير ذلك.
ـ من هنا تغيرت المقاربات، وحينما ترغب دولة ما في صك ماركة أو سمة محددة لها، لتسويقها سياسياً وثقافياً واقتصادياً، فإن أطرافاً حكومية ومجتمعية عدة تتعاون لبلورة هذه السمة أو السمات Nation Branding، وإدارتها وتسويقها حسبما تحدث عنها في الورشة علي الأحمد، مدير تلفزيون أبوظبي. ولابد أن يتسم مضمون هذه الماركة بالصدقية والواقعية والنفع والجاذبية. مرة أخرى نقول، إن الاستثمار في الإعلام الخارجي مهم وضروري، وعائده كبير على الدولة ومصالحها وأمنها الاستراتيجي.
وعلينا أن نتذكر دائماً، أن «القوة الناعمة» هي حاجة إستراتيجية للدول الصغرى والوسطى، وإن دولة كالإمارات، أنجزت الكثير من التطور والاستقرار والسمعة الطيبة. يليق بها إعلام خارجي كفؤ وفاعل، يستثمر ما هو على أرضها من تنوع وانفتاح وقيادة حكيمة شابة، وشعب حي ديناميكي، وإمكانيات، وعشرات من محطات التلفزة الأجنبية ومئات من المراسلين الأجانب، وملايين من الوافدين من كل حدب وصوب... وعشرات الآلاف من أصحاب الملايين... كلها تربة صالحة للاستثمار النافع والضروري والمشاركة في رسم صورة المستقبل الأفضل.
حوار أجراه: الدكتور محمد المطوع

