رغم تنوع الروائح العطرة وتعدد الورود الفواحة التي تزخر بها الطبيعة اليمنية، يبقى أريج زهرة الفل الرائحة المفضلة عند غالبية اليمنيين، لارتباطها بعادات وتقاليد تزداد انتشارا يوما بعد يوم.
ومن الظواهر الدالة على إقبال اليمنيين على هذه الزهرة، انتشار باعة الفل في أكثر من مكان حتى في الجولات وتقاطعات الطرق. فما أن تقف بسيارتك عند شارة المرور حتى يقبل باعة هذه الزهرة العطرة نحوك، يعرضون عليك عقودا من زهرات الفل ملفوفة بطريقة جميلة و فنية، يسبقهم إليك أريج فواح يغريك عن التجربة. وربما منذ تلك اللحظة ستصبح أحد الزبائن المداومين على شراء هذه العقود. ذلك ما يؤكده الكثيرون ممن أضحوا زبائن دائمين عند بائعي الفل.
ويشاطر هذا الرأي خالد عفيفي، احد أشهر باعة الفل في العاصمة صنعاء، الذي يقول «في الحقيقة كان شراء الفل محصورا في أعداد قليلة من الناس من عدن ولحج والحديدة، لكن اليوم أصبح الزبائن من كل مناطق اليمن، بعدما جربوه واعتادوا عليه، والعديد ممن يقبلون على شراء عقود الفل يؤكدون باستمرار على أنهم ليسوا من المعتادين على استعماله، لكنهم بعدما جربوه كهدية أو عن طريق الفضول، سرعان ما تولعوا به ليؤنس سهراتهم ويضفي ذكريات على أفراحهم».
ويقول أحد الزبائن، الذي كان يهم بشراء بعض العقود المتدلية أمام وجه البائع «تعود أول علاقة لي بزهور الفل إلى يوم زفافي قبل عام ونصف، عندما جاءتني العروس مكللة بأطواق منه تسبقها رائحته العطرة الفواحة التي لا تنسى، وكلما شممتها تذكرت ذلك اليوم ومسراته، ولهذا فأنا حريص على أن أجلبه للبيت أكثر من مرة في الأسبوع وبخاصة يوم الخميس».
ويرى آخر أن أجمل ما في الفل رائحته الهادئة التي لا تؤذي الأنف كالعطور المحضرة كيماويا، التي تهيج الجيوب الأنفية، فضلا عن أنها تدوم لمدة يومين وأحيانا أكثر من ذلك، وهذا يعتمد على الحالة التي يشترى بها الفل فإذا كانت زهوره طرية لم تفتح بعد تبقى رائحته أطول والعكس.
وعن رواج سلعته، يقول خالد عفيفي« أحسن الأيام لبيع الفل هي الأربعاء والخميس والجمعة لأنها فترة راحة، وأيضا هناك الإجازات في الأعياد والعطلة الصيفية، ففي هذه المناسبات تكثر الاحتفالات والأعراس وبالتالي ينتعش الطلب على عقود الفل التي تتوج بها العرائس والعرسان».
ويعود تزايد الإقبال على عقود زهرات الفل، كما يقول أحد الباعة، إلى الصيت الذائع بين النساء لهذه الزهرات التي عادة ما ينثرنها على أسرّة النوم ويتوجن بها رؤوسهن وصدورهن لجلب رضاء الزوج، فحتى عقد ونصف كان انتشار الفل محصورا بالمناطق الجنوبية.
وفي الشمال كان انتشاره مقصورا على محافظة الحديدة، لكن بعد قيام الوحدة اليمنية عام 1990 تزايد الإقبال على هذه الزهور العطرة بفعل انتقال السكان من الشمال إلى الجنوب والعكس، الأمر الذي أدى إلى أن يصبح باعة الفل وعقوده المنسوجة بإتقان علامة من علامات المدن اليمنية الرئيسية، أما في القرى فيتعين على من لديهم مناسبات خاصة أن يذهبوا إلى المدينة ليجلبوه منها جريا على العادة، التي تتجذر يوما عن يوم في المجتمع اليمني.
ولم يعد استعمال هذه الزهور الفواحة محصورا فقط بمواسم الأعراس، بل هناك من يتطيب به في المنزل وفي السيارة وفي المناسبات المختلفة. ودخل في التقاليد اليمنية كظاهرة اجتماعية تعبر عن الود وحسن الاستقبال للضيف عندما يكلل به عنقه من قبل مستضيفيه ومستقبليه في المطارات وموانئ الوصول، تعبيرا عن الحفاوة والترحيب بالوافد.
ثمة من لا يخفي مخاوفه من المعروض الكبير لزهور الفل، اعتقادا منه أن استخدام المبيدات الحشرية هي وراء تزايد إنتاجه. لكن عواش هيبة، احد أهم المزارعين في منطقة زبيد في محافظة الحديدة، يقول« لا أحد من المزارعين يرش السموم على زهور الفل لأنه لا يتعرض لأي آفات عدا آفة الأرضة التي تنخر سيقان شجراته مما يضطر المزارعين إلى استعمال مبيدات أرضية للقضاء على هذه الحشرة وليس فيه أدنى ملامسة للزهور».
يضيف عواش أن بيع الفل يحقق مردودا عاليا عندما يوجه للأسواق الخارجية، حيث يتراوح سعر بيع العقد الكبير في موسم الصيف بين 500 إلى 600 ويرتفع إلى مابين 1000 إلى 1500 ريال في غير موسمه.
من الواضح أن رواج هذه البضاعة العطرة، يقف خلفها تقليد عريق جعل الكثيرين من الشعراء يتغنون بالفل ويمتدحونه لما يجلبه من متعة وبهجة على الأفراح والأتراح، وأهمها «ليلة العمر» ليلة الزواج التي عادة ما ترتبط بأجمل ذكريات المرء.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
