لأول مرة منذ اندلاع الحرب على العراق في العام 2003 اعترف الرئيس الأميركي جورج بوش بأن القوات الأميركية لا تنتصر ولا تخسر على الساحة العراقية. وفي حوار مطول مع صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية واسعة الانتشار، نشرته أمس تحدث الرئيس الأميركي عن مستقبل وجود القوات الأميركية.

وما تنوي واشنطن فعله في الفترة المقبلة حيال التطورات المتلاحقة في ذلك البلد. وتطرق الحوار الذي كانت فيه رؤية بوش ضبابية عن المرحلة المقبلة إلى مغزى نتائج انتخابات الكونغرس الأخيرة وكيفية التعامل مع الديمقراطيين الذين فازوا بالأغلبية البرلمانية. وفيما يلي أجزاء من الحوار:- قبل أن نبدأ سويا أريد أن أوضح أمراً: إنني أفكر في وسيلة لتحريك الوضع في العراق إلى الأفضل. ولقد تحدثت إلى أناس كثيرين بشأن العمل على تسوية الصراع الأيديولوجي في ذلك البلد. أريد هنا أن أناقش معك بعض الأفكار. فأنا أميل الآن إلى الاعتقاد بأننا بحاجة إلى زيادة قواتنا هناك، سواء قوات الجيش أو المارينز.

ولقد تحدثت عن هذا الأمر مع وزير الدفاع روبرت غيتس الذي سيقوم بدوره بدراسة الأمر والتحدث إلى مرؤوسيه بغية الوصول إلى توصيات بشأن كيفية بلورة هذه الفكرة. إنني أريد منحه بعض الوقت كي يضع قدميه على الأرض. و سوف أناقش هذه القضية بعد التشاور معه حيال هذا الأمر.

* إذا أنت تتحدث عن القوات في العراق و ليس.....

- لا أنا أتحدث عن الحجم الكلي للقوات.

* الحجم الكلي للجيش. هل لديك أي فكرة عن الزيادة المقترحة؟

- يتعين عليّ انتظار رأي الوزير غيتس. وكما قلت فأنا أميل إلى الاعتقاد بأنه من المهم والضروري أن نقوم بهذا الأمر الآن. السبب هو أنه أضحى من الواضح أن هذه الحرب الأيديولوجية ستستمر لفترة، و سنكون بحاجة إلى قوات عسكرية هناك قادرة على مواصلة جهودنا ومساعدتنا على تحقيق السلام في ذلك البلد.

* إذا فأنت توصلت إلى قرار بشأن العراق؛ بمعنى آخر توصلت إلى ما سوف يتم القيام به؟

- لم أصل بعد. أحتاج بعض الوقت مع الوزير غيتس كما قلت . فهو سيتجه إلى المنطقة في وقت لاحق. وأنا بحاجة إلى التحدث معه عندما يعود. و يتعين علي أيضا التشاور مع فريق الأمن القومي الذي بدوره سيتشاور مع أطراف أخرى. سيتطلب الأمر وقتا كي أضمن أن هذه السياسة عندما تتبلور فإن الشعب الأميركي سيرى أننا نمضي قدما من أجل تحقيق هدف مهم يتمثل في تأسيس دولة تستطيع أن تحكم و تدعم و تدافع عن نفسها.

ثمة أمر مهم أريد أن أوضحه و أريد أن يعرفه الشعبان العراقي والأميركي، و هو أننا نتوقع من الشعب العراقي مواصلة اختياراته الصعبة والعمل بالشكل الذي يكفل الوصول إلى النجاح المنشود، ومهمتنا هي مساعدتهم على الوصول إلى هذا الأمر.

* هل نحن ننتصر في العراق وفقا لتقديراتك؟

- أنت تعلم أنه تروق لي مقولة الجنرال بيتر بيس: (نحن لا نحقق انتصارا ولا نتجرع خسارة)، لقد كانت هناك تطورات إيجابية للغاية. و يمكنك أن تنظر إلى العراق لترى ما تحقق من تقدم. فهناك الآن دولة ديمقراطية دستورية في قلب الشرق الأوسط، الأمر الذي يعد في حد ذاته تطورا رائعا.

غير أنني أتصور أن المشكلة الحقيقية التي نواجهها هناك تتمثل في العنف الطائفي الذي يجب التعامل معه. ومن ثم فإن جزءاً من المراجعة السياسية التي سنقوم بها يتمثل في الوصول إلى طريقة للتعامل مع هذا الأمر و من ثم تمكين الشعب العراقي من العيش داخل مجتمع أكثر أمانا و ذلك حتى تتمكن الحكومة هناك من إثبات أنها تستحق الحكم ومن ثم تستطيع القول إنها تريد مساعدة الشعب. إن إحدى مهام أي حكومة توفير الأمن للشعب. ومهمتنا هي مساعدة العراقيين على توفير الأمن. و سوف أتوصل إلى خطة تمكننا من تحقيق هذا الهدف.

وعلى فكرة فإن هناك تحديات أخرى. إنها حرب متعددة الجبهات، إذا نظرت للوضع هناك. فهناك انقسام شيعي في الجنوب، و هناك هجمات يقوم بها السُنة، جزء كبير منها يتم من خلال تنظيم القاعدة. و كثير من الأطراف المتسببة في المشكلات هم أعضاء سابقون في حزب البعث المنحل و آخرون ممن غضبوا بسبب إسقاط صدام و يتسببون بدورهم في المعارك التي تندلع في محافظة الأنبار.

ونحن نقوم بجهد جهيد في هذا الصدد. فقد قلت سابقا إن الناس قد لا تشعر بما نقوم بها. و لكننا قمنا في أكتوبر و نوفمبر و في الأسبوع الأول من ديسمبر بأعمال كثيرة و استطعنا قتل و اعتقال نحو 5900 شخص. ما أريد قوله هو إن قواتنا و قوات التحالف تقف خط المواجهة في كثير من المناطق. ثم تأتي النقطة التالية التي تستقطب قدرا كبيرا من الاهتمام و هي العنف الطائفي الذي يدور في بغداد. أنا أتفهم تماما أننا علينا أن نساعد العراقيين كي يتمكنوا من التعامل مع هذا الأمر.

و من ثم فإن ما نفكر فيه أثناء حلقات النقاش التي نعقدها هو البحث عن أفضل السبل لعلاج هذه المشكلة و مساعدة العراقيين على التعامل معها. وهناك مزيد من العمل و سوف يأتي الوقت الذي أعلن فيه أفضل السبل لعلاج الوضع في العراق.

* في ضوء نتائج انتخابات الكونغرس الأخيرة، هل زيادة القوات في العراق يظل أمرا ممكنا أو حتى يمكن اعتباره أحد الخيارات ؟

- نعم كل الخيارات مطروحة.

* حتى في ضوء الرغبة السياسية للأطراف الأخرى؟

- حسنا. كل الخيارات مطروحة. أتصور أن الشعب يريد أمرين. إنه يريد رؤية الديمقراطيين و الجمهوريين يعملون معا من أجل تحقيق هدف مشترك. و يريد كذلك أن ننتصر في حرب العراق. كثير من الناس يتفهم أننا إذا انسحبنا من العراق ستكون هناك عواقب وخيمة. هناك البعض ممن يقولون : اخرجوا الآن من العراق. ولذلك فإنني أرى في نتائج الانتخابات دليلا على أن الشعب غير راض على التقدم الذي يحدث في العراق و يتوقعون منا الوصول إلى إستراتيجية مختلفة لتحقيق هدف مهم.

* غير أن نتائج الانتخابات توحي بأن الشعب يريد إنهاء مغامرة غزو العراق. هذا ما بدا أنه الدرس الأقوى الذي يجب أن نخرج به من نتائج الانتخابات. فما هي دلائل أنك تهتم بمشاعر ورغبات الشعب؟

- إنني أريد تحقيق الهدف. أنا أعلم أن الشعب الأميركي قلق للغاية بسبب التهديد الخارجي المتمثل في أن الفشل في العراق سيقوي من وطأة التهديد الخارجي. إنهم يتوقعون أن تعمل الحكومة مع الديمقراطيين و مع الجيش و مع العراقيين من أجل الوصول إلى خطة تحقق الهدف. ليس هناك عدد كبير يقول (اخرجوا من العراق). ولكن معظم الأميركيين يقولون: نحن نريد تحقيق الهدف.

* غير أن هناك كثيرين يقولون دعنا نتوصل إلى انسحاب مرحلي يتم من خلال جدول زمني محدد.

-إذا كانوا يشعرون، أو دعنا نقول إذا كان هذا الأمر يمكن أن يقود إلى نصر، فهناك حاجة إلى أخذه بعين الاعتبار بشكل جدي. إنني أناقش جميع الاعتبارات بشكل جدي للغاية و استمع إلى عدد كبير من الناس الذين لديهم آراء مختلفة حيال هذا الأمر.

* هل يمكننا العودة إلى ما قاله الجنرال بيس عن أننا لا نخسر و لا ننتصر؟ أنت قلت في الرابع و العشرين من أكتوبر: نحن بالقطع ننتصر.

- نعم. هذا جزء من اعتقادي بأننا سننتصر. انظر : أنا لدى أربعة أطراف أتحدث إليها بشكل منتظم. الطرف الأول هو الشعب الأميركي الذي له مبرراته فيما يشعر به من إحباط جراء غياب التقدم في العراق. إنهم يتوقعون من القائد العام للقوات المسلحة و القيادة في واشنطن أن تدعم قواتنا. إن دعم قواتنا لا يعني فقط مدهم بمعدات جيدة و رواتب عالية و مساكن طيبة، و إنما الأمر يعني أيضا وضع خطة تساعدهم على تحقيق الهدف.

الطرف الثاني هو العدو. و أنا لم أنته بعد منهم. فالعدو يريد أن يعرف ما إذا كان لدى الولايات المتحدة إرادة الإبقاء على مواصلة هذا الصراع الأيديولوجي أم لا. إنهم لا يعتقدون أننا لدينا الإرادة في هذا الصدد. هذا ما يقولونه. و أعتقد أن هذا هو بالفعل اعتقادهم.

الطرف الثالث هم العراقيون أنفسهم. إنهم يتساءلون ما إذا كانت لدى الولايات المتحدة إرادة المساعدة على تحقيق أهدافهم. القادة الذين تحدثت إليهم يتساءلون ماذا تعني نتائج انتخابات الكونغرس الأخيرة و ماذا تعني توصيات لجنة هاميلتون - بيكر و ماذا يعني تغيير وزير الدفاع الأميركي.

إنهم من داخلهم يتساءلون: هل الأميركيون سيغادرون البلاد؟ هذا سؤال مهم يجب أن تتم الإجابة عليه. لأنه إذا كان عليهم حسم خيارات صعبة، فإنه لزاما علينا إعلامهم بشكل مسبق بأننا سنمنحهم المساعدة التي يحتاجونها. إنهم أناس تحطمت أمانيهم و آمالهم في الماضي.

الطرف الرابع الذي أتحدث إليه هو القوات المسلحة التي تتساءل هي الأخرى ما إذا كانت دولتنا تدعمهم أم لا. إنهم يتساءلون ما إذا كان الأمر يستحق كل ما يقومون به من جهد و ما يبذلونه من تضحيات أم لا. و يريدون أن يعرفوا من قائدهم الأعلى ليس فقط أن الأمر يستحق ما يقومون به وإنما يريدون أن يعرفوا أيضا أنني أدعهم وأنني أعتقد أن ما يقومون به سيقود إلى النصر.

على أية حال يجب عليك أن تعلم الطرف الذي أتحدث إليه عندما أدلي بحديث. و أنت بالطبع بمثابة الفلتر الموضوعي الذي من خلاله يصل .......

*أشك في أن تكون رسالتك قد وصلت.

- لدى ما أريد قوله للصحافة. أتمنى أن تدركوا أمرين، الأول أنني أستمتع بالعلاقة بيني و بينكم، و الثاني هو أن وجودكم حيوي بالنسبة لرئاستي. أنتم لا تستطيعون الوجود من دوني و أنا كذلك لا أستطيع الوجود من دونكم. و أنا بشكل عام أحترم العمل الجاد الذي تقومون به.

لست بالضرورة أحترم كل كلمة تكتبونها و لكن على الرغم من ذلك فإنني أحترم حقيقة أنكم تقومون بعمل جاد في سعيكم إلى الوصول إلى الحقيقة. كل طرف منا ضروري لوجود الآخر. مثل هذه العلاقة يمكن أن تكون علاقة إيجابية أو علاقة مضرة. و لقد بذلت جهدا كبيرا كي أجعلها علاقة إيجابية.

* نحن نقدر لك هذا و أنت قطعا تعمل بشكل جيد في هذا الصدد. بعض المؤيدين للحرب، وكذلك أنت، بدأ منذ بداية الصراع في طرح السؤال التالي بشكل علني: هل الفكرة نفسها هي التي ثبت أنها غير جيدة بالشكل الكافي أم أن تنفيذها هو الذي لم يكن جيدا؟

- فكرة ماذا؟

* فكرة الحرب في المقام الأول.

- أنا لم أطرح هذا السؤال فعليا. أنا أرى أنها حرب مبررة و ضرورية. من الواضح أن الحرب و النتائج التي تحققت على الأرض لم تتم بالشكل السريع الذي نتمناه. و

النتيجة هي أننا نعمل الآن على تطوير استراتيجيات جديدة حتى نسرع من تحقيق النجاح المرجو. انظر: إنني من ضمن هؤلاء الناس الذين يحبون أن يروا القوات الأميركية و هي تعود إلى الوطن. لكنني لا أريد عودتهم قبل تحقيق الهدف و ذلك لأنني أعرف ماذا سيحدث إذا فشلوا في تحقيق الهدف. و أنا أؤكد على هذا الأمر مرارا و تكرارا: فأنا أرى أننا نخوض صراعا أيديولوجيا ستتعامل معه بلدنا لفترة طويلة من الزمن.

* هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالا عن التاريخ؟

الرئيس الأميركي الأسبق لينكولن أقال عددا من جنرالاته أثناء الحرب الأهلية. فلماذا لم تقم أنت بإقالة جنرالاتك. و هل يعني عدم إقالة أي منهم أنك راض عن الإستراتيجية العسكرية التي ينفذونها؟

- نحن نقوم بمراجعة الإستراتيجية لأن النتائج لم تتحقق بالسرعة التي نأملها، تماما كما قال وزير الدفاع. أما عن القضايا الخاصة بسلم القيادة في البنتاجون فهي قضايا يتم علاجها من خلال وزارة الدفاع. فهناك تسلسل قيادي ألتزم به و أرى أنه من المهم أن يقوم القائد العام للقوات المسلحة بهذا الأمر.

لقد تحدثت عن أهمية وجود ثقة في حكم القيادة العسكرية عندما يتوصلون إلى خطط عسكرية باعتبارهم المستشارين الرئيسيين للرئيس، وهذا أمر لم يكن يحدث في الحروب السابقة عندما كان الرئيس يقوم بنفسه بوضع التكتيكات الخاصة بالحرب. فأنا من الرؤساء الذين يلتزمون بشدة بالهيكل القيادي وتسلسله.

* ولكن ألا تصل إلى مرحلة تقول فيها: نحن أخطانا في تقدير عدد القوات الذي نحتاجه هناك؛ نحن كنا مخطئين فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل. ثمة شخص يجب أن يُعاقب على هذا الأمر؟

- هناك مراجعة متواصلة و مستمرة لما يقوم به القادة، و أنا أدعم هذه المراجعة. و عندما يصل الأمر إلى نقطة يعتقد فيها الاختصاصيون أن هناك شخصا ما يستطيع القيام بالمهمة بشكل أفضل، فإن ما يتم التوصل إليه من توصيات يجري تنفيذه.

* عندما تنظر إلى نتائج انتخابات الشهر الماضي فأنت ترى أنها تمثل رفضا قاطعا لحرب العراق و تثبت حقيقة أننا لا نحقق أي انتصار هناك. أم أنك تراها بمثابة حكم آخر على قيادتك بشكل عام؟

- لقد قلت في مؤتمر صحافي إنه لا ريب في أن العراق كانت سببا أساسيا فيما جرى في الانتخابات. الشعب ضجر بسبب غياب التقدم في الوضع. فالحرب تمثل أمرا صعبا على أي شعب، لاسيما الشعب الأميركي الذي يتميز أفراده بالحس المرهف. فعندما تفتح التلفاز و ترى كل هذه التفجيرات و أعمال القتل، وتقرأ عما يحدث من عمليات إعدام وعنف طائفي، فإن الأمر يُشعر الأميركيين بالمرارة ، و من ثم فإنهم يتساءلون عما إذا كانت لدينا خطة أما لا حيال الوضع. أنا أتفهم بالطبع حجم اليأس والإحباط الذي يتملك الشعب.

أنا أقول لك شيئا: أنا أرى أن الانتخابات جاءت لتبرهن لنا جميعا في أميركا أمرا واحدا، ألا وهو: دعونا نعمل سويا. فالشعب يريد هذا. وبالطبع هناك عدد كبير من القضايا التي يجب أن نعمل حيالها سويا مثل قضايا الطاقة و الهجرة و إصلاحات الميزانية و التعليم و رعاية الأطفال.

* ماذا عن القضايا الخلافية مع الديمقراطيين مثل ما يريدونه من زيادة في الضرائب؟

- إنهم يتحدثون عن زيادة الضرائب. يمكنهم الوصول إلى طاولة النقاش و يطرحون الأمر. لقد قدمت اقتراحا لا يتضمن زيادات ضريبية. و على الرغم من ذلك فأنا أنتظر سماع آرائهم في ذلك الشأن.

* هل كان نائب الرئيس ديك تشيني محقا عندما قال إن وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد هو أفضل وزير دفاع في تاريخ أميركا؟

- أتصور أنه واحد من أفضل وزراء الدفاع. و قد قلت إن فترة خدمته شهدت تغييرات عميقة و تغيير في السياسات أكثر من أي فترة أخرى مضت في تاريخ وزارة الدفاع الأميركية.

ترجمة: حاتم حسين