كشف ناجي قاسم عن كتفه لابن عمه صلاح ، وهو في غاية الرضا والاطمئنان عما فعله صباح ذلك اليوم حيث ذهب مع احد اصحابه ليرسم وشما على كتفه .. تمعن صلاح في كتف ناجي وبدأ يقرأ ما كتب عليه من بيانات تشمل الاسم الثلاثي والعنوان ورقم الهاتف وبدأ يتحسر ويحوقل ، لأنه يعرف أن ابن عمه يخشى الدفن في مقابر الغرباء إذا داهمه الموت بلا هوية أو عثر عليه جثة بلا رأس.
ناجي قاسم وغيره (وفقا لتقرير اجرته وكالة «اصوات العراق») من الذين اعتادوا على مشاهد وأخبار الذبح والقتل التي يتعرض لها العراقيون وتنقلها الفضائيات كل يوم حيث يتم انتشالهم من مبازل كجثث متفسخة متغيرة المعالم او العثور عليهم في مكبات النفايات وفي الطرقات العامة جثثا بلا رؤوس ، بدأوا يبحثون عن وسيلة تقيهم الدفن في مقابر الغرباء ، ولم يجدوا سوى الوشم على أجسادهم لتيسير التعرف عليهم عند العثور على جثثهم.
ابو وضاح موظف بسيط في مدينة الموصل ، قال «منذ سنة وثمانية اشهر والعائلة تبحث عن أخي وثلاثة من اولاد خالتي ذهبوا إلى بغداد لانجاز بعض المعاملات الرسمية المتعلقة بالعائلة وانقطعت اخبارهم عنا تماما.. الموت علينا حق ولكننا عجزنا عن العثور على جثثهم ، وكان رد فعل جميع رجال العائلة هو كتابة المعلومات بطريقة الوشم ليسهل تعرف ذوينا علينا ، وهذا نعتبره اضعف الإيمان».
وقال اسامه خليل (عامل) «المشكلة ليست في فقدان مستمسكاتك ولكن هناك جثثا لم تقطع رؤوسها بل شوهت ملامح الوجوه باستخدام حامض النيتريك..الرعب الذي عشعش في قلوبنا جعلنا نفكر في الوشم لاستخدامه كوسيلة تعريفية ولا نسأل الله رد القضاء بل نسأله اللطف فيه ».
محمد باسل ، بائع أجهزة هواتف محمولة قال « المشكلة اننا فقدنا الامل بالعيش بسلام ونعترف ان موتنا متوقع في أي لحظة ولكننا نود ان يتعرفوا على جثثنا ليكرم دفننا ولنزار من قبل اقاربنا وان لا تكون زيارة قبورنا حسرة على ذوينا ، فالوشم اصبح ضروريا هذه الأيام إلا اذا حرقت الجثث وعندئذ لن يكون باليد حيلة ».
ومن جانبه ، قال معتصم غانم ، وهو سائق سيارة اجرة «وشمت بنفسي على ساقي وساعدي ما وددت ان تكون هوية يتعرفون بها على جثتي ».
وقال ياسين نجم (تاجر) « زوجتي شجعتني على الوشم لأن عمليات القتل مستمرة ومتزايدة ولا يوجد هناك أمل بإيقافها ..انه قدرنا فلنأخذ الأمور على المدى البعيد ، لدى العائلة العراقية ترابط روحي وأواصر أسرية ، وهناك مفاهيم تعلمناها من الآباء ونعلمها إلى الأبناء فبر الوالدين وهم أحياء والوفاء لهم وهم أموات تجعل احدنا يفكر عندما يكبر صغيره ويسأل والدته طالبا زيارة قبر أبيه ..فبماذا ستجيب ولدها الذي أصبح شابا ، سيتهمها بالتقصير والإهمال لعجزها عن العثور على جثة ابيه».
وعن طريقة الوشم ، يقول سعيد خلف أحد العاملين في هذا المجال «ما زلت استخدم الطريقة التي استخدمها الآباء والأجداد وهي تسخين الابرة وعمل ثقوب بالجلد وإدخال رماد السجائر او مادة الكحل او الفحم المطحون في الثقوب».
وأضاف «هناك من يقول انها طريقة بدائية ولكنها تفي بالغرض ،واغلب الراغبين في الوشم يطلبون مني رسم أسمائهم وأرقام ثلاثة او أربعة من هواتف أقاربهم وعناوينهم ، والديانة..وهناك من يطلب بعض الإضافات تكون أشبه بالوصية كعنوان المقبرة او براءته من تهمة طائفية او مذهبية او عرقية او سياسية او حزبية موجهة اليه».
وتابع «هناك مواعيد للزبائن فالرغبة متزايدة على الوشم ، واغلب طالبي الوشم يكون غرضهم هو عدم الرغبة في مجهولية جثتهم ودفنهم في مقابر الغرباء».
وعن عادة الوشم قال إبراهيم عبد العزيز مدرس التاريخ بإحدى مدارس الموصل «يسمى الوشم في اللهجة المحلية (الدكة) واستخدمه العرب كعلاج من الآلام والأوجاع. وانتشر الوشم في العراق والجزيرة والشام فكانوا يشمون جانبي رأس مريض الصداع المزمن ويشمون المفاصل والظهر عند إحساسهم بألم فيهما».
وأضاف «وهناك من الرجال من كان يشم صورا معينة يبرز من خلالها قوته او صورة حبيبته او اسم أحد أبطال ومشاهير الإسلام ..وهناك من يكتب تواريخ الحب او الغدر لتكون شاهد ا على مر الزمن ».
بغداد ـ «البيان»