الإشهار والترويج للسلعة علم وفن، له قواعده وأصوله، التي باتت تدرس ويتدرب عليها الطلاب في أرقى الجامعات والكليات في العالم. لكن يبقى هناك من يفطن للأمر بالسليقة من دون أن يكون قد ولج أيا من تلك الجامعات والكليات.. كما هو الشأن لمحال العصائر والكافتيريات اليمنية التي ابتكرت طرقا ملفتة لجذب الزبائن وإغرائهم.
فمحال العصائر في اليمن أصبحت مدعاة لانتباه المارة إن لم تكن مبعثا لأن تستوقفهم وتشدهم لتذوق المعروضات المغرية، التي علقت ورتبت بطريق فنية تعكس ذوق صاحبها وحذقه في خوض غمار المنافسة الشرسة، بين محال ودكاكين غالبا ما تكون متجاورة. ففي مثل هذه الأمكنة المتنافسة على زبائن من صنف واحد، يتبارى أصحاب المحال في التفنن بطرق العرض لسلعهم المتشابهة بطرق مشوقة يسعى كل واحد إلى إظهار كل ما عنده من فواكه متنوعة تنبئ بتنوع العصائر المقدمة.
يقول صادق العديني: إن عملية التفنن في إبراز المعروض في محال العصائر هي التي تأتي بالزبائن، لأن الفاكهة بألوانها المختلفة هي أجمل ما في الأرض، وهذا الجمال يتعين إبرازه للزبون حتى يسهل إغراؤه واستدراجه إلى داخل المحل، ليتذوق ما يروق له من العصائر المتنوعة. ويرجع العديني الاستعراض في إبراز واجهة المحل إلى تزايد محال العصائر والكافتيريا في البلاد التي كثرت أعدادها في الآونة الأخيرة بشكل كبير مما أوجد منافسة فرضت على كل صاحب محل أن يبتكر من الإغراءات ما يمكنه من جذب اكبر قدر من الزبائن.
ويرجع علي مقبل تزايد انتشار الكافتيريات ومحال العصائر في البلاد، إلى العزوف عن العصائر المعلبة والتحول إلى العصائر الطازجة الخالية من المواد الكيماوية، وبالنتيجة كان التنافس هو سيد الموقف الذي حتم على أصحاب هذه المحال خوض غمار التحدي لتتفتق قرائحهم عن ابتكارات العرض الجذاب.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل شمل حتى ابتكار تسميات مغرية لأنواع العصائر التي يقدمها أصحاب المحال مثل العصير العرائسي، مجنونة، فخفخينا، شيك ملك ... وغيرها من التسميات المبتكرة، التي تستهدف استقطاب الزبون. وكذلك الحال في تسميات المحال كجنة الفواكه، مشرب الجماهير، الفردوس، الربيع.
وفي معرض تعليقه على هذه الظاهرة الجذابة، يقول علي سلام الباحث في علوم الاتصال «اعتقد أن اللوحات الإعلانية التي تلعب في الأصل على الألوان البراقة والإثارة البصرية لا تترك تأثيرها بالقوة التي تتركه الألوان الطبيعية.
فاللافتة الإعلانية بكل ما تحشده من ألوان وتوظفه من رسومات لا تستطيع أن ترقى إلى مستوى الألوان والإثارة الذي تتركه عناقيد الفاكهة المتدلية بألوانها الطبيعية الأخاذة، وبأصنافها الشهية، فهي تمثل لوحات جمالية ممتعة ومبعثا للفرجة،
ناهيك عما تفعله من إثارة للشهية لهذا تعد هذه العملية الإشهارية الأكثر والأقوى تأثيرا من كل اللوحات الإعلانية التي ينفق عليها أصحابها الكثير، وهي تعبير عن حس طبيعي لدى المشتغلين في هذه المحال ولدى أصحابها، والذين هم في الغالب الأعم أتوا من الريف والقرى اليمنية المعروفة بنظارة طبيعتها، وبالتالي هم ممن تعايشوا مع مثل تلك الطبيعة التي تسكنهم باستمرار وتشدهم إليها دائما ويهيمون بها عشقا».
من الواضح أن الهاجس وراء ذلك هو جذب الزبائن وإغرائهم لطلب ما يروج له هؤلاء، لكن ليس فقي كل الأحوال أن يكون وراء العرض الجيد سلعة جيدة، فهناك من يزينون واجهات محالهم، لكنهم يفتقرون للصنعة والدربة في إعداد عصائر بذات المذاق الذي توحي به واجهات محالهم مما يوجب الاحتراس دوما قبل المغامرة في ارتشاف كأس من عصير.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام