اقترح الرئيس اللبناني إميل لحود تشكيل «حكومة اتحاد وطني» تساند المحكمة الدولية الخاصة بقضية اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، مؤكدا أن «يديه ليستا ملطختين بالدم» في هذه القضية. واستبعد لحود نشوب حرب أهلية في لبنان، ودافع عن علاقته مع سوريا، مؤكدا أن الحل «يجب أن يخرج من بين أيدي اللبنانيين وليس من بلدان أخرى». وقال الرئيس اللبناني انه لا يفكر بالتنازل لتوفير مخرج من الأزمة التي تعصف ببلاده التي تجتاح شوارعها تظاهرات عارمة للمعارضة تطالب بتنحي رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
واستعرض لحود في حوار مع صحيفة « كلارين» الأرجنتينية رؤيته حول الوضع المأساوي في لبنان. ومن القصر الرئاسي في بعبدا المحصن بالدبابات والجنود، أعرب عن اعتقاده بأن حكومة فؤاد السنيورة غير دستورية وأنه يتوجب على المعارضة مواصلة احتجاجاتها في الشوارع حتى تحقق أهدافها.
وفي ما يلي نص الحوار:
ـ ما هو حل الأزمة الحالية في لبنان؟
ـ ما يحدث لا يمكن أن يستمر وأدعو إلى حل يرضي جميع الأحزاب وإلى استعادة الحياة الطبيعية، التي تسمح باستعادة العافية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. أعتقد حل الأزمة الحالية يكمن في تشكيل حكومة اتحاد وطني خصوصا بعد أن فقدت هذه الحكومة شرعيتها الدستورية إثر انسحاب الوزراء الشيعة منها. أما هدف حكومة الاتحاد الوطني فسيكون دراسة ومساندة إنشاء المحكمة الدولية لإنزال العقاب بقتلة رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري. ومن ثم يتوجب عليها دعم قانون انتخابي جديد، يضمن تمثيلا متساويا لكافة الأديان في لبنان. والبرلمان الجديد سينتخب رئيسا جديدا في إطار التفويض الدستوري الممنوح له.
ـ هل أنتم على استعداد للاستقالة للحيلولة دون حدوث مزيد من الانقسامات بين اللبنانيين؟
ـ أنا عازم على الاستمرار حتى اللحظة الأخيرة من ولايتي، خصوصا وأن المشكلة الحقيقية لا تقوم على الرئاسة اللبنانية والسؤال هو: هل ستضع استقالتي حدا للانقسام الحالي في البلاد؟ أو هل ستحل قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون على أرضي؟ لا أظن. ولذلك أنا أدعو إلى تشكيل حكومة اتحاد وطني لحل جميع القضايا المعلقة. ولقد اتفقت الأحزاب اللبنانية على تنحية قضية الرئاسة جانبا.
ـ هل تتسبب علاقتكم مع سوريا بانقسامات أوسع في لبنان؟
ـ أنا فخور كوني أقمت علاقات جيدة مع الرئيس حافظ الأسد. علاقاتنا تقوم على الاحترام المتبادل وذلك على خلاف ضباط لبنانيين آخرين لديهم علاقات تجارية مع ضباط سوريين وهم نفس الضباط اللبنانيين الذين ينتقدون سوريا الآن ويطلقون الهجمات ضدها. ولا بد وأن يكونوا غاضبين جراء علاقتي الحسنة مع الرئيس الحالي بشار الأسد. وأنا أتساءل عما إذا كان يتعين علينا اعتبار سوريا ـ التي لديها روابط تاريخية وودية مع لبنان ـ خصما لتلبية مصالح بلدان أجنبية على حساب مصالح بلادي.
ـ لماذا لا تريد توقيع مرسوم يضفي صبغة شرعية على المحكمة الدولية؟
ـ أود أن يبقى واضحا للجميع أني كنت، بعد جريمة الحريري المستنكرة على الفور، من بين أول المطالبين بلجنة تحقيق دولية. واتصلت بالأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان مستعجلا إياه إرسال فريق تحقيق لضمان عدم تسييس هذه القضية.
ـ هل أنتم متخوفون من توجيه أصابع الاتهام لكم في قضية اغتيال الحريري أو من أن تجرم المحكمة حزب الله؟
ـ أؤكد لكم أنني لا أخشى هذه المحكمة بأي حال من الأحوال وتقارير لجنة التحقيق الدولية الخمسة لم تأت على ذكر اسمي، مع أنهم كثر أولئك الذين يرغبون رؤية اسمي كمتورط بالجريمة في هذا التقرير. لكنهم لم يتمكنوا حتى الآن من ذلك والحمد لله، فيداي ليستا ملطختين بالدماء، وفيما يتعلق بالشق الثاني من سؤالك فإن ابن رفيق الحريري يعلم أن أيادي حزب الله نظيفة.
ـ هل تشعرون بأنكم مهجورون من جانب حلفائكم في هذه الأزمة؟
ـ أنا رئيس جميع اللبنانيين وأنا أعاملهم جميعا وأحزابهم بشكل متساو بعيدا عن اعتبارات انتماءاتهم السياسية أو الطائفية وأنا أحافظ على مسافة متساوية مع الجميع حتى مع أولئك الذين ينتقدونني بشكل يومي. وأولئك الذين تسميهم حلفائي يؤمنون بالسياسة التي انتهجتها دوما كما أنهم يؤمنون مثلي في الدفاع عن معايير الدستور ووحدة لبنان والمقاومة حتى يتم استرجاع آخر ميليمتر من أرض لبنان رافضين أي محاولة لتوطين الفلسطينيين على التراب اللبناني.
ـ إلى متى يستطيع الجيش اللبناني الاستمرار في السيطرة على بيروت وإلى متى ستبقى المعارضة على سيطرتها على المتظاهرين في الشارع؟
ـ الأسوأ بالنسبة للجيش هو الاضطرار للتعامل مع اضطرابات داخلية لأنه مدرب على مواجهة عدو خارجي. لكن على جميع الأحوال، فإن الجيش ملتزم بتوفير الأمن لجميع المواطنين وحماية ممتلكاتهم. عندما يتوجب عليه مواجهة الأحزاب السياسية فإن الأمور ستكون مختلفة. فيما يتعلق بالمعارضة، فلقد أعلنت منذ البداية أن الاحتجاجات في الشارع سلمية وديمقراطية. ولقد وقعت حوادث مؤسفة تحاول إجهاض تظاهرات الشارع. أما الذين يحتجون، فلقد عبروا عن رؤيتهم بشكل حر وبطريقة أكثر ديمقراطية. أنا أعتقد أن المعارضة يجب أن تواصل احتجاجاتها حتى تتحقق كل مطالبها. فيما يتعلق بالتخوف من إمكانية اندلاع حرب أهلية في البلاد سأقول لكم بوضوح إننا لن نسمح بأن تحدث. فلقد تعلم اللبنانيون من تجربتهم الخاصة في الماضي ولا رغبة لديهم بأن تتكرر تلك التجربة.
ـ لماذا باعتقادكم لا تتنازل حكومة السنيورة؟
ـ لقد بعثت مذكرة رسمية مكتوبة أقول فيها إن حكومته لم تعد تعتبر دستورية لأنها ببساطة تنتهك معايير الدستور التي تدعو إلى التعايش الطائفي. وهذا يعني أن أي قرار في لبنان يجب أن يتخذ ـ حسب الدستور ـ بالتوافق بين جميع مكونات المجتمع . لذلك، فإني أقترح تشكيل حكومة اتحاد وطني مقتضبة. أما الباقي فإنه واضح، حيث يتعين على جميع الأحزاب ومكونات المجتمع المشاركة في عملية اتخاذ القرار. موقف السنيورة وحكومته موقف غير دستوري. ومن الممكن أنهم يحاولون إنشاء «حالة راهنة» أو أنهم مدعومون من جانب بلدان من الخارج مثل فرنسا والولايات المتحدة ، التي تبذل كل ما في وسعها للحفاظ على شرعية حكومة السنيورة.
ـ هل يمكن للأزمة اللبنانية أن تحل إذا استهل الرئيس الأميركي جورج بوش محادثات مع إيران وسوريا حول العراق؟
ـ البعض يربط القضية اللبنانية بأحداث خارجية، مثلما ربطوا الحرب الإسرائيلية في لبنان في يوليو وأكدوا أنه كان هناك مقاتلون إيرانيون بين صفوف المقاومة اللبنانية. لكن هذا لا معنى له. فالمقاومة قاتلت إسرائيل بكل شجاعة محققة نصرا غير مسبوق. وأنا أؤكد أن الدم الذي أريق كان دما لبنانيا صرفا.وأنا أتساءل: ما علاقة السياسة اللبنانية بالوضع في العراق أو سوريا؟ أريد أن أوضح أن أي حل يجب أن يخرج من اللبنانيين أنفسهم.
ـ هل تعرض مظاهرات حزب الله شعبيته التي حققها إثر الحرب ضد إسرائيل للخطر؟
ـ ما حققته المقاومة فخر لكل لبناني. والنصر على إسرائيل نموذج للبلدان التي تريد طرد قوات الاحتلال من أراضيها. أما فيما يتعلق بشعبية حزب الله فإنه بوسعكم رؤية حجم الاحتجاجات في الشوارع. حزب الله لا يزال يحتفظ بشعبيته في لبنان بعيدا عن بعض الذين لا يتفقون مع رؤيته حول القضايا السياسية.
ترجمة: باسل أبو حمدة
