شكّلت سياسة فرنسا العربية أحد المحاور الأساسية للسياسة الخارجية الفرنسية في ظل رئاسة جاك شيراك، وهذا ما كان الرئيس الفرنسي نفسه قد أفصح عنه أثناء خطابه الشهير في جامعة القاهرة في شهر أبريل 1996، أي بعد أقل من عام فقط من انتخابه رئيسا للجمهورية. واليوم تعيش فرنسا فترة التحضير الحثيث للانتخابات الرئاسية القادمة خلال عام 2007.
وبالتالي تسود أجواء «نهاية عهد» و«نهاية سياسة» أيضا؛ ففي مطلع شهر مايو القادم سوف يكون هناك رجل جديد - أو امرأة جديدة- في قصر الاليزيه. فكل الدلائل تشير إلى أن «المستأجر الحالي» شيراك لن يخوض حملة انتخابية جديدة من أجل التجديد له لفترة رئاسية ثالثة مع أن العديدين حوله يصدرون إشارات يُفهم منها أنه قد يفعل ذلك، بل ربما أنهم يدفعونه للترشيح.
وأعلن نيكولا ساركوزي، المرشح اليميني الأوفر حظا ـ حتى الآن- للفوز، أنه سيخوض المعركة الانتخابية تحت شعار «القطيعة الهادئة» مع النهج السياسي الفرنسي السائد منذ عدة عقود. ولكن قطيعته مع الإرث الشيراكي في مجال السياسة العربية لن تكون هادئة أبدا، فهو لا يخفي ميله الأميركي بل يفتخر به. وكان قد أعلن مواقف نقدية عنيفة لسياسة فرنسا العربية أثناء حرب العراق وفيما يتعلق تحديدا ب«الابتعاد» عن موقف واشنطن.
ولكن ماذا بالنسبة لسياسة فرنسا العربية في حالة فوز السيدة سيغولين روايال، المرشحة الرئيسية في معسكر اليسار لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية القادمة؟ إنها نقطة استفهام كبيرة.
والمعروف عن الحزب الاشتراكي الفرنسي أنه قريب تاريخيا من إسرائيل، ولكن تنبغي الإشارة إلى أن أحد الرموز التاريخية لهذا الحزب، أي الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، كان أول من دعا الرئيس الراحل ياسر عرفات لزيارة باريس، كرئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية وكان وراء افتتاح مكتب يمثل فلسطين في العاصمة الفرنسية. وهو أيضا الذي تحدّث أمام الكنيست الإسرائيلي عن حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وبدولته المستقلة. لكن حقبة ميتران انتهت وحقبة شيراك اليوم هي في أيامها الأخيرة، وسياسة فرنسا العربية تبدو على مشارف منعطف حقيقي في الغد. ولا شك أنها ستكون إحدى المسائل الأساسية في الحملة الانتخابية الرئاسية القادمة إلى جانب قضايا الهجرة والمهاجرين والأمن والضواحي التي شهدت أحداث عنف خطيرة في نهاية العام الماضي 2005.
إن سياسة فرنسا العربية لن تكون بل إنها قد أصبحت بالفعل الموضوع الأول في الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية القادمة التي بدأت قبل موعدها الرسمي. وهذا يعود إلى رحلة السيدة سيغولين روايال إلى الشرق الأوسط التي بدأت بزيارة لبنان والأردن وانتهت بإسرائيل بعد المحطة الفلسطينية.
وقد أرادت المرشحة الاشتراكية أن تعطي لنفسها عبر هذه الرحلة بعدا دوليا، خاصة أن إحدى نقاط الضعف الأساسية التي تعاني منها أمام الناخبين الفرنسيين تتمثل في تواضع تجربتها على صعيد السياسة الدولية. وبعد زيارتها للبنان صوّب عليها معسكر اليمين الفرنسي مدافعه لأنها تأخرت في رد فعلها حيال ما قاله بحضورها النائب اللبناني عن حزب الله علي عمّار عندما قارن بين ما أسماه ب«الكيان الصهيوني» و«النازية التي احتلت فرنسا».
اعترضت السيدة روايال على استخدام كلمة كيان وليس دولة لكنها لم تعلّق على المقارنة ب«النازية». وقالت لا أحد يستطيع أن يمنعني من متابعة الحوار مع ممثلين للشعب جرى انتخابهم ديمقراطيا. مع ذلك حاذرت أن تلتقي بممثلي الشعب الفلسطيني من حماس، ولكنها قالت، بعد لقائها بالرئيس محمود عباس، بحق الشعب الفلسطيني بدولة ذات سيادة وقابلة للحياة وحق إسرائيل بالأمن الدائم.