عاد الجدل ليشغل الطبقة السياسية الموريتانية في تعاطيها مع المجلس العسكري الحاكم، ومثار الجدل هذه المرة أنباء تؤكد نية السلطات الانتقالية تعديل القانون المتعلق بشروط الترشح لرئاسة الجمهورية.
وينص هذا المشروع حسب مصادر متطابقة على أن كل مرشح لرئاسة الجمهورية يجب أن يودع مبلغ 10 ملايين أوقية لدى خزينة الدولة، ويحصل على تزكية 100 مستشار بلدي، بينهم خمسة عمد على الأقل كشرط لقبول ملف ترشحه من حيث الشكل.
وطبقا لذات المصادر فإن هذا الإجراء يأتي تعديلا للنص القديم الذي كان ساريا أيام الرئيس السابق معاوية ولد الطايع، حيث كان الشرط الوحيد للترشح للرئاسة هو الحصول على توقيع 50 مستشارا بلديا فقط من دون أي تعويض مالي. وهو ما قوبل باستياء واسع من لدن عدد من القادة السياسيين والشخصيات التي سبق وأعلنت عن عزمها الترشح لأعلى منصب في هرم الدولة، فيما تعامل معه آخرون بنوع من اللامبالاة المشوبة بالارتياح.
وجاءت أقوى ردود الفعل ضد المقترح على لسان زعيم التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بولخير، الذي عبر في بيان أمس، عن رفضه لما أسماها »تصرفات سلطات المرحلة الانتقالية« ولم يخف بيان مسعود ولد بولخير غضبه تجاه هذا الإجراء، إذ تضمن البيان الموجه إلى »كافة المدافعين عن الديمقراطية« أن رئيس التحالف يرى أن المجلس العسكري يتعمد وضع الطبقة السياسية أمام الأمر الواقع.
ويضيف أنه »في الوقت الذي أخاطبكم فيه، يعكف المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية على تعديل القواعد المنظمة للانتخابات الرئاسية، كما هي عادته أي في اللحظة الأخيرة، ودون استشارة أحد.. ونحن نندد بهذه التصرفات بكل قوة«.
ودعا ولد بولخير إلى »حماية الحق الشرعي لكل موريتاني في الطموح إلى أصوات مواطني بلده«، مطالبا الرأي العام بالتحلي باليقظة.
وتبنى نفس اللهجة أغلب الأحزاب الأخرى، خاصة تلك المنضوية تحت لواء ائتلاف قوى التغيير الديمقراطي، حيث تتحدث هذه الأطراف عن استغرابها لهذا المشروع وترى أنه »من المؤسف أن تفرض مثل هذه الشروط على المرشحين يمكن قبول إجبارية توقيع 100 مستشار بلدي، لكن أن يتم فرض كفالة مالية قدرها 10 ملايين أوقية فذلك استفزاز..« حسب قولهم.
في المقابل لم يبد الحزب الجمهوري للديمقراطية والتجديد الحاكم سابقا أي اهتمام بموضوع الشروط الجديدة للرئاسيات.
ووفق بعض المحللين السياسيين، فإن مسألة الملايين العشرة التي تؤرق فقراء أحزاب المعارضة السابقة والأحزاب الصغيرة، قد لا تكون أهم ما يشغل بال الحزب الحاكم قبل 3 أغسطس 2005 ولا بال المستقلين القادمين من صلبه »بحثا عن طريق لإرضاء قادة البلاد الجدد«.
ورغم أن مصادر نافذة في تكتل المستقلين اعتبرت المستقلين غير معنيين بالموضوع، لأنهم لم يعلنوا عن الترشح حتى الآن للرئاسة، وهو المبرر ذاته الذي يقدمه عدد من الجمهوريين، إلا أن »ما يثلج صدور هذين الطرفين هو قدرتهما على الاستجابة للشروط الجديدة دون عناء« حسب خصومهم.. وهو ما قد ينطبق كذلك على حزب التكتل (القوى الديمقراطية) الذي يتزعمه أحمد ولد داداه، علما بأن هذا الأخير يمتلك بالتأكيد كم المستشارين والعمد المطلوب توقيعهم على الأقل، والفترة الانتقالية »مضى منها أكثر مما تبقى« حسب ولد داداه، في إشارة إلى رضاه عن ماضي المسار الانتقالي.
ويتضح من خلال ردود الأفعال غير المرحبة – في أغلبها- بالشروط الجديدة للترشح للرئاسة، أن التحالف الشعبي التقدمي كان يعتزم، وربما لا يزال، ترشح رئيسه مسعود ولد بولخير للرئاسيات المقبلة، وأن اشتراط كفالة مالية بهذا الحجم، يهدف إلى كبح جماح الفقراء الطامحين للترشح، والذين يبدو أن عددهم قد يزيد على ما يسمح به توزيع مستشاري بلديات الوطن كلهم، لو بقي الأمر القانوني الأول كما هو عليه، خاصة وأن هناك مبالغ تمنح لكل مرشح من خزينة الدولة حسب النص القديم، مما يهدد هذه الأخيرة بالعجز أو الإفلاس سريعا نظرا لكثرة المترشحين.
ويعتقد بعض المراقبين أن المجلس العسكري ربما اختار هذا التوقيت، لفرض أمر واقع على الأحزاب السياسية والشخصيات المستقلة، التي أعلنت عن نيتها الترشح للرئاسة، أو تلك التي تستعد لذلك خوفا من فوضى الترشيحات التي سادت البلديات والنيابيات، خاصة بعد أن أجمعت كل الأطراف على حياد السلطات ونزاهة الاستحقاقات السابقة. ويذهب هؤلاء إلى حد القول بأن الإجراء الجديد قد يكون واحدا من »الأقفال الجيدة« التي سبق لرئيس المجلس العسكري أن تحدث عنها باعتبارها »تضمن سلامة المسار برمته« على حد تعبيره.
أما المستقلون فسيبقون »في انتظار إماءة من الجهة ذاتها التي دفعت بهم إلى الاستقلالية ليحددوا خيارهم الذي سيشجعهم فيه القانون الجديد لا محالة« وفق تعبير ناشط في التيار الإسلامي.
نواكشوط ــ بشير ولد ببانه