تملأ رائحة العرق والفضلات البشرية الهواء في المبنى المتهدم الذي يعتبر مستشفى في هذه البلدة الواقعة في جنوب السودان.تمدد عدة مدنيين جرحوا في اشتباكات عنيفة جرت بين القوات المسلحة السودانية ومتمردي جنوب السودان السابقين على أسرة متهالكة وقد ضمدت جراحهم بضمادات أوشك مخزون المستشفى منها على النفاد.

وقال ساندي جويل (14 عاما) الذي أصيب برصاصة في الجانب الايمن من صدره «كنت في المنزل ثم فتح المسلحون النار من الخارج». ويقبع شقيقه المصاب في ذراعه الى جواره.

وكانت هذه الاشتباكات التي قالت منظمة الأمم المتحدة ان 150 شخصاً على الأقل لاقوا حتفهم خلالها الأعنف بين الجناح العسكري ل«الحركة الشعبية لتحرير السودان» وقوات الحكومة المركزية بالخرطوم منذ توقيع اتفاق للسلام العام الماضي أنهى حربا أهلية استمرت 21 عاماً.

وفاقمت هذه الاشتباكات من التوتر بين الأعداء السابقين والمتزايد بالفعل منذ اعتقل «الجيش الشعبي لتحرير السودان» 15 من أفراد القوات المسلحة السودانية في أكتوبر للاشتباه في شنهم هجمات حول جوبا عاصمة جنوب السودان. وقالت الأمم المتحدة ولها قوات حفظ سلام قوامها عشرة آلاف فرد لمراقبة الاتفاق في جنوب البلاد ان معظم القتلى كانوا من المقاتلين وان ما بين 400 و500 شخص أصيبوا.

وقال المستشفى الحكومي الوحيد في ملكال انه استقبل نحو 100 مصاب أثناء الاشتباكات التي تفجرت في 28 نوفمبر. وقال توت جوني مدير المستشفى «نحن نعاني من نقص كبير في كل شيء.

المضادات الحيوية والمحاليل الوريدية وحتى الضمادات... وليس لدينا إلا خمسة أطباء». وأضاف ان عدة مدنيين لاقوا حتفهم بعد وصولهم إلى المستشفى بقليل بسبب نقص الإمدادات الطبية. وسجيت يوم الثلاثاء جثة رجل كان قد وصل إلى المستشفى بجرح ملتهب بشدة في ساقه على أحد الأسرة وغطي ببطانية على مبعدة بضعة أمتار من المرضى الآخرين.

وقال جوني «توقف عن التنفس قبل قليل». وكانت الاشتباكات التي استخدم فيها المقاتلون الدبابات والرشاشات الثقيلة قد اندلعت اثر خلاف بين الجيش الشعبي لتحرير السودان وجابرييل تانج وهو قائد ميليشيا موال للحكومة يقول الجيش انه أصبح واحدا من أفراده بعد اتفاق السلام.

وقال اوفول أجاك الموظف الحكومي (50 عاماً) ان بعض المدنيين اثروا الفرار من البلدة والعبور إلى الضفة الأخرى من نهر النيل سواء سباحة أو بالزوارق.وأضاف وهو جالس بجوار حجرة صغيرة قديمة تحمل لافتة كتب عليها (وزارة المالية) «مكثت لأربعة أيام في المنزل مع أبنائي. لم نجرؤ على الخروج من المنزل».

ويقول سيلفا كير زعيم المتمردين السابق الذي أصبح نائبا للرئيس السوداني ان تانج لا يزال قائد ميليشيا. وأضاف انه طلب من وزارة الدفاع بالحكومة المركزية تسليم تانج للجيش الشعبي لتحرير السودان وحل جماعته.وأسفر اتفاق السلام عن تشكيل جيشين منفصلين لكل من الشمال والجنوب مع وحدات مسلحة مشتركة في البلدات الرئيسية ومنها ملكال عاصمة منطقة أعالي النيل وإحدى أغنى المناطق المحتملة بالنفط في السودان الذي ينتج 330 ألف برميل على الأقل يومياً من النفط الخام.

وعادت الحياة إلى طبيعتها في الشوارع غير الممهدة بالبلدة التي تتناثر فيها المنازل الصغيرة والأكواخ. ومرت سيارة وقد اختار قائدها الاستماع إلى إذاعة الأمم المتحدة حيث انبعث صوت المطرب شون بول مطرب موسيقى الريجي من مكبرات الصوت بها.

وتوجه مئات من أنصار «الحركة الشعبية لتحرير السودان» إلى ملعب كرة القدم بالبلدة سيرا على الإقدام وبالدراجات يوم الثلاثاء حيث كان كير يلقي خطابا عن أعمال العنف التي شهدها الأسبوع الماضي. وقال كير الذي كان يرتدي بذلة وقبعة رعاة البقر التي يتميز بها للجماهير المهللة «سنقاتل هؤلاء الناس (الميليشيا) عندما يحين الوقت».

وأضاف ان شن المزيد من هجمات الميليشيا في الجنوب سيعرض الاتفاق للخطر وناشد حزب المؤتمر الوطني الحاكم حلها.لكن هذه كانت أخباراً سيئة بالنسبة لتشانججوك جون (42 عاماً) الذي وضع ذكريات الحرب الأهلية وراء ظهره.ويقول جون «لم أر اشتباكات كهذه منذ اليوم الذي ذهب فيه الجيش الشعبي إلى الأدغال عام 1983» مشيراً إلى بدء حركة التمرد في الجنوب. واستطرد قائلا «آمل ألا نرى هذا مجدداً».