أمام بوابة مركز شرطة، في احد الأحياء الراقية في العاصمة الموريتانية نواكشوط، تقف الشرطية السالمة بنت الحسين ببزتها الشرطية المغطاة برداء يقاوم برودة الجو وبندقيتها المعلقة على المنكب الأيسر ونظاراتها السميكة، ساعات طويلة تتفرج خلالها على المارة من الشارع المقابل للمفوضية، من دون أن تبرح مكانها الذي أتخذته في لحظاتها الأولى، فالتدريبات الشاقة التي خضعت لها الفتاة في مراكز التدريب علمتها التكيف مع مختلف ظروف العمل والصمود أمام كل المصاعب التي تواجهها، ومكنتها من تجاوز العقبات التي تحيط مسيرتها المهنية.
تؤكد السالمة انه لم يكن باستطاعتها الصبر على هذه المصاعب في الأيام الأولى من تخرجها، لكن مع مرور الأيام أصبحت المداومة بهذا الشكل أمرا سهلا بالنسبة لها .
ترفض السالمة التصوير، لكنها تدافع بشدة عن قرارها دخول الانخراط في سلك الشرطة الذي اعتبرت أنها اتخذته عن قناعة تامة، رغم معارضة أسرتها وجيرانها له، ورغم النصائح الجمة التي تلقتها من زميلاتها وأقاربها، بالتراجع عن هذه الخطوة التي يعتبرها البعض خروجا عن تقاليد وأعراف المجتمع الموريتاني، وثورة على منظومة القيم الاجتماعية لهذا المجتمع،
لكنها أوضحت أن اختيارها لهذا المجال لم يكن اعتباطيا وإنما أرادت من خلاله خدمة وطنها ومجتمعها، الذي يحتاج لوجود نساء محترفات في مكافحة أعمال الشغب ومطاردة عصابات التلصص، التي تمرر الكثير من عملياتها عن طريق نساء مجندات من قبل هذه المجموعات، وهو الأمر الذي يتطلب تجنيد شرطيات.
وأكدت بنت الحسين على أنها لعبت، إلى جانب زميلاتها، الكثير من الأدوار في خدمة هذا القطاع. اذ عملن في قطاعات متعددة وبينها مكافحة المخدرات ومطاردة العصابات وحراسة المفوضيات والمطار والمستشفيات، وغيرها من الأدوار التي تتطلب دورا نسائيا.
وتحدثت الشابة عن الضغوط النفسية التي واجهتها خلال خطواتها الأولى من مسيرتها المهنية، جراء الانتقادات اللاذعة التي توجه إليها من طرف المجتمع، وسعى بعض المواطنين الى محاولة استفزازها في شوارع العاصمة بمخالفته لتوجيهاتها أثناء تنظيمها لحركة المرور المزدحمة في شوارع المدينة.
ويتم اكتتاب المرأة في سلك الشرطة عن طريق مسابقة تطالب فيها المترشحة بإحضار ملف يتضمن الشهادة الإعدادية، وتخضع الشرطيات لتدريبات شاقة في مدرسة الشرطة لمدة 45 يوما تحال بعدها المتخرجة لإجراء تدريبات في مفوضيات مختلفة في العاصمة ليتم دمجها بشكل كامل بعد سبعة أشهر من التدريب .
ونفت السالمة ما تردد من شائعات عن منع الشرطيات من الزواج خلال السنوات الخمس الأولى من العمل، لكنها أكدت على أن الرجال الذين يتقدمون للزواج منهن يخضعون لاستجوابات كثيرة من قبل الجهاز الأمني، بقصد التأكد من عدم وجود سوابق أمنية لهم.
وقد اثار انتشار الشرطيات في نواكشوط جدلا واسعا في الأوساط الفقهية، واهتماما كبيرا من طرف الخبراء الاجتماعيين الذين اعتبروا أن هذا الصنف من النساء مهدد بالتعرض أكثر من غيره لظاهرة العنوسة، نتيجة عزوف بعض الشباب عن الارتباط بهن تخوفا من استفسارات أمنية قد يتعرضون لها من طرف الشرطة، إضافة إلى طبيعة المجتمع البدوي الذي يتجنب معظم رجاله الارتباط بالمرأة العاملة في أي مجال، لما قد ينجر عن ذلك من إهمال لعمل البيت الذي يبقى دائما بيد الخادمات حسب المتابعين لهذا الشأن.
وفي المقابل، يرى البعض أن التحولات الاجتماعية التي يعيشها المجتمع الموريتاني حاليا تؤهل المرأة الموظفة أكثر للزواج، بسبب توجه الشباب الجديد الذي يتطلع للارتباط بمن يقاسمه تكاليف العيش ويساعده في تربية الاطفال، وأثبتت الدراسات الحديثة قدرة المرأة الموظفة والمتعلمة في المدارس الحديثة عليها من أخريات بقين داخل خيمتهن في القرى النائية البعيدة عن أسلوب التربية الحديث الذي يتطلع إليه الجيل الجديد من الشباب.
وتباين آراء الشارع الموريتاني بشأن ظاهرة دخول المرأة الشرطة، واعتبرها احد العلماء الكبار في فتوى اصدرها على شاشة التلفزيون الرسمي خروجهن بالزي العسكري «حراما»، داعيا المؤسسة العسكرية الى استبدال هذا الزي بما يتناسب مع التعاليم الشرعية.
وتباينت ايضا آراء الساسة، اذ يرى المصطفى ولد بدر الدين، نائب رئيس اتحاد قوى التقدم (شيوعي سابقا) ان ظهور الشرطيات في الشوارع جاء في وقته المناسب، حيث «يلاحظ ظهور للنساء الموريتانيات في جميع المجالات وبخاصة أثناء حملة الدستور، فقد تميزت هذه الحملة بحضور منقطع النظير للمرأة الموريتانية في المهرجانات والأمسيات وفي الطوابير مع ظهور تنظيمات مدنية تطالب بولوج المرأة مراكز القرار الشيء الذي حقق بعض النتائج المهمة منها».
ويعتقد القيادي الاسلامي البارز محمد جميل منصور أن «لا مانع أصلا يمنع المرأة من أي عمل تريد ممارسته إذا التزمت في زيها وتحركها وعدم مزاحمتها للأجانب في مهمتها»، واضاف«صحيح أن العمل الشرطي شاق وصعب على المرأة، لكنه يبقى أفضل بكثير من التهميش والتشرد اللذين قد يؤديان إلى الانحراف والانغماس في الرذيلة»
نواكشوط ـ بشير ولد ببانه
