كل يمني يشرع ببناء منزله، لابد أن يضع في حسبانه «قمريات» منزله، إذ لا يمكن أن يكون البيت يمنيا من دون أن تميزه هذه الأشكال المقوسة الجميلة والفريدة، التي تزدان بها بيوت اليمن. ومن النادر أن تشاهد بيتا من دون هذه العلامة المميزة للعمارة اليمنية التي تطالعك في واجهة المنازل.

و«القمرية» هي ماركة يمنية مسجلة باسم البيت اليمني، طبقا لما يردد الكثير من المعماريين اليمنيين. و«القمرية» هي فتحات زجاجية نصف دائرية أو الفتحات المقوسة التي تنتهي بها النوافذ الرئيسية الكبيرة من الجهة العلوية في العمارة اليمنية، او تكون عبارة عن منافذ مستقلة في الصالات أو السلالم.

و«القمرية» هي التسمية الشائعة في اليمن لهذا الشكل الجمالي الذي يعطي المنزل اليمني رونقه المميز. وعلى ما يبدو فإن هذه التسمية اشتقت من ضوء القمر الذي ينساب من خلالها إلى داخل الغرف، وهو ما يؤكده صناعها الذين يعتبرونها جزءا أساسيا من أجزاء البيت اليمني عبر مختلف العصور .

يقول علي الهمداني: القمرية هي التسمية الشائعة ولم تعرف في جميع المناطق اليمنية. مضيفا: ربما أن اسمها مشتق من وظيفتها، فمن خلال زخارفها الملونة بزجاج شفاف ينساب ضوء القمر وحينها تكتسب شكلها الجمالي، إذ لا يمكن التمتع بمنظرها الجمالي إلا في الأيام المقمرة حيث يأخذ شكلها من الداخل جماليته، وعندما تشاهدها في مثل تلك الأوقات تبدو لك مختلفة فتكتشف قيمتها الفنية والصورة التي هي عليها إما كوردة أو فسيفساء او شكل هندسي فريد بمزيج من الألوان الزاهية البراقة .

ويستطرد الهمداني، الذي ورث حرفة صناعة «القمريات» أبا عن جد، قائلا: طبعا إلى جانب البعد الجمالي الذي تضفيه القمرية على العمارة اليمنية، لها منافع أخرى فهي بمثابة منفذ يمر من خلاله أشعة الضوء في النهار من دون أن يتمكن من في الخاج من رؤية من هم في الداخل.

فقد ظلت ابتكارا يمنيا معبرا عن طبيعة المجتمع اليمني المحافظ. ولهذا ف«القمرية» وضعت في الأصل كمنافذ إضاءة وستارة إلا أنها تطورت واكتسبت مع مرور الزمن لمسات جمالية وفنية جعلتها من أهم الروائع المعمارية اليمنية كا تبدو في منازل اليوم من خارج البيت ومن داخله .

وفي السياق نفسه، يوضح سعيد المقطري: القمرية مرت بمراحل مختلفة من التطور ففي بداية عهدها، وكما تشهد على ذلك بعض المنازل القديمة التي ظلت تحتفظ بأنواع قديمة من القمريات في المدن اليمنية التاريخية، كانت في الماضي عبارة عن شكل قالب مرمري أو رخامي مصقول قاعدته مستطيلة او مربعة في الأسفل، وينتهي بالأعلى كعقد مقوس.

وكان منحوت من قطعة واحدة من المرمر أو الرخام البلوري المصقول يسمح بنفاذ أشعة الشمس أوالقمر إلى داخل المنازل اليمنية. وتلك القطعة كانت قديما تجلب من مناطق محدودة للغاية أشهرها محدودة وادي ظهر القريب من العاصمة صنعاء أو من محافظة المحويت إلا أن الطلب عليها تزايد نتيجة للتوسع العمراني في العاصمة صنعاء وغيرها من المدن التي تزايدت فيها حركة البناء في العقود الأخيرة بشكل ملحوظ مما أدى إلى نفاذ تلك المادة الرخامية والمرمرية من محاجرها المحدودة،

علاوة على أن مقتضيات التطور العمراني أدت إلى تحسين شكلها ومظهرها فلم تعد القمرية بشكلها الحالي مقتصرة على اللون الأبيض للأحجار المصقولة، وإنما أصبحت تركب من ثلاثة ألوان، على الاقل، وأكثرها استعمالا الأبيض ،الأحمر، الأزرق ، الأخضر ، الأصفر .

ويضيف المقطري موضحا: القمرية في الوقت الحالي لم تعد مجرد شكل واحد كما كانت في الماضي بل أصبحت لوحة فنية متعددة الرسوم والأشكال والأحجام. وفي كل يوم يطرأ عليها جديد تبعا لمهارة صناعها وطلبات الزبائن عليها ومن خلال ما نشاهده في كثير من البيوت لم تعد القمرية مجرد وسيلة للإضاءة، وإنما أيضا تحفة فنية وزينة منزلية تضفي على البيت اليمني منظرا جماليا وتكسبه خصوصية لا يقدر أن يتجاهلها احد، ولهذا لا يكاد يخلو بيت يمني منها إن لم يكن غرفة من غرفه ولعل ذلك ما يبقي عليها كصنعة تقليدية موفورة الحظ .

ومن الملاحظ أن «القمرية» التي تزدان بها كل البيوت اليمنية كعقود ملونة لم تعد اليوم مقتصرة على وظيفتها الاستعمالية كمنافذ للإضاءة من الداخل أوعقود جمالية تميز العمارة اليمنية من خارج المبنى.

بل تحولت بفعل ما ادخل عليها من ابتكارات فنية وزخرفيه إلى لوحة فنية تستهوي الكثيرين، الذين باتوا يضعونها كلوحات مضاءة داخل الصالات والقاعات، وحتى كأقواس على أبواب الغرف والسلالم فتضفي على البيت اليمني لمسات جمالية تثير إعجاب الزوار، مثلما تشكل مظهرا للمباهاة والتفاخر بين الناس، حتى غدت منظرا للفرجة على زخرفة الفنون التقليدية التي فرضت جماليتها حتى على البيوت المشيدة حديثا.

ونظرا لما تتميز به «القمرية» من جاذبية جمالية وزخرفية، فقد اختيرت من بين شعارات ورسوم عدة لتكون شعارا لصنعاء عاصمة الثقافة العربية عام 2004 ، فيما اختارتها منتجات محلية كعلامة صناعية لمنتوجاتها ووضعها المعهد الديمقراطي الإميركي كشعار لفرعه في اليمن وهو ما يعكس القيمة الجمالية والفنية لهذه التحفة التي صارت عنوان للبيت اليمني خاصة ولليمن عامة

صنعاء ـ عبد الكريم سلام