لن يكون هناك انتصار أو هزيمة للولايات المتحدة في العراق، فهذان الاصطلاحان لا يعكسان واقع ما يجري هناك، ومستقبل العراق كان دوماً أمراً يقرره العراقيون لا الأميركيون.

العراق ليس جائزة يتم الفوز بها أو خسارتها، وإنما هو جزء من الكفاح العالمي الراهن ضد اختلال الاستقرار، الوحشية، غياب التسامح، التطرف والإرهاب. ولن يكون هناك انتصار عسكري أو حل عسكري بالنسبة للعراق. وقد طرح هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق هذه النقطة مؤخراً بوضوح بالغ.

لقد فات الأوان بالنسبة لإرسال المزيد من القوات الأميركية إلى العراق، فليس لدينا قوات إضافية لكي نرسلها، وحتى لو فعلنا ذلك، فإن هذه القوات لن تجلب الحسم إلى العراق، فالوحدات العسكرية مشكلة لكي تخوض غمار الحروب وتنتصر فيها، وليس لكي تضم معاً عناصر الأمم المتهاوية. ونحن نتعلم مرة أخرى درساً قاسياً في الشؤون الخارجية، قوامه أن أميركا لا يمكنها فرض الديمقراطية على أي أمة، بغض النظر عن نبل مقصدنا.

لقد أسأنا الفهم والقراءة والتخطيط والإدارة بالنسبة لنوايانا المشرفة في العراق بتضليل متصلب للنفس يحاكي نظيره في فيتنام. والنوايا المشرفة ليست سياسات ولا خططاً، والعراق ينتمي إلى الخمسة والعشرين مليوناً الذين يقيمون على أرضه، ولسوف يقررون مصيرهم وشكل حكومتهم.

لسوف تنقضي سنوات عدة قبل أن يكون هناك مركز سياسي متماسك في العراق. وقد كانت خيارات أميركا في هذا الشأن محدودة على الدوام. ولسوف يكون هناك مركز جاذبية جديد في الشرق الأوسط سيشمل العراق. وهذا التطور بدأ مؤخراً باستئناف العلاقات الدبلوماسية بين السوريين والعراقيين بعد عشرين عاماً من غياب الاتصال الرسمي بين الجانبين.

ما الذي يحدثنا هذا به؟ إنه يبلغنا بأن القوى الإقليمية ستملأ الفراغات الإقليمية، ولسوف تتحرك للعمل لمصلحتها، من دون الولايات المتحدة. وهذه هي مجموعة التحركات الأكثر تشجيعاً في الشرق الأوسط منذ سنوات. والشرق الأوسط أكثر قابلية للاحتراق اليوم من أي وقت مضى، وإلى أن يكون بمقدورنا المضي قدماً بتجديد عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية فإن دماراً وذبحاً جائحين سيتواصلان في لبنان وإسرائيل وعلى امتداد الشرق الأوسط.

إننا لا نزال بعيدين عن حسم سلمي مستدام للفوضى في العراق. ولكن هذه المجموعة الأخيرة من الأحداث تدفع الشرق الأوسط في الاتجاه الوحيد الذي يمكن أن يسير فيه بأي أمل في تقدم وسلم دائمين. وهذا التحرك سيكون ناقصاً ومتعثراً وصعباً.

وتجد أميركا نفسها في وضع خطر ومعزول في العالم، وينظر إلينا باعتبارنا أمة في حالة حرب مع المسلمين. ومن سوء الحظ أن هذا الفهم يكتسب في الوقت الراهن مصداقية في العالم الإسلامي وسيؤدي على امتداد سنوات عديدة إلى تعقيد مصداقية أميركا وهدفها وقيادتها. وهذا الفهم الخطير والمستنفد للقوى لا بد من تداركه مع سعي العالم إلى مركز جيوسياسي وتجاري واقتصادي جديد يستوعب مصالح المليارات من البشر عبر السنوات الخمس والعشرين المقبلة. لسوف يواصل العالم المطالبة بقيادة أميركية وواقعية وذات ذهن صاف وليس بتصور لمهمة أميركية مقدسة.

يتعين على الولايات المتحدة أن تبدأ في التخطيط لانسحاب مرحلي لقواتها من العراق. لقد كانت تكلفة القتال في العراق من حيث حياة الأميركيين والدولارات والمكانة العالمية باهظة. وقد أنفقنا بالفعل أكثر من 300 مليار دولار لخوض غمار حرب دامت أربع سنوات تقريباً. ولا نزال ننفق 8 مليارات دولار شهرياً.

وقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 500 مليار دولار على الحرب في العراق وأفغانستان، ويواصل جهدنا المبذول في أفغانستان ترديه، ويرجع ذلك في أحد جوانبه إلى أننا أبعدنا من بؤرة اهتمامنا التركيز على النمط الإرهابي الحقيقي الذي كان ماثلاً هناك، وليس في العراق.

إننا ندمر في الوقت الراهن هيكل قوتنا الذي استغرق تشييده منا 30 عاماً. وقد قمنا بتمويل هذه الحرب بطريقة غير نزيهة، وبصفة أساسية من خلال إحلال المخصصات، الأمر الذي قلّص من الصلاحية الإشرافية المسؤولة من جانب الكونغرس، وسمح للإدارة بتجنب الأسئلة الصعبة في غمار الدفاع عن سياساتها. لقد تخلى الكونغرس عن مسؤوليته الإشرافية في السنوات الأربع الماضية.

لم يفت الأوان بعد. فبمقدور الولايات المتحدة حالياً أن تخلص نفسها على نحو مشرف من كارثة وشيكة في العراق، وهناك فرصة متاحة لإجماع عابر للأحزاب حول الخروج من العراق. وإذا لم يقم الرئيس بإيجاد آلية عمل على أسس غير حزبية للتوصل إلى إستراتيجية للخروج من العراق، فإن أميركا ستدفع ثمناً باهظاً لهذا الإخفاق، وهو ثمن سنواجه صعوبة في التخلص من تأثيره في السنوات المقبلة.

إن إهدار هذه اللحظة سيكون إهداراً للإمكانات المستقبلية بالنسبة للشرق الأوسط والعالم، وهذا هو ما سنواجهه خلال الأشهر المقبلة.

تشاك هاغل

عضو مجلس الشيوخ الأميركي

* المقال منشور في عدد «نيويورك تايمز» أمس