بعد ثمانية أشهر من التقصي قدمت مجموعة دراسة العراق التي تضم 10 من كبار السياسيين ديمقراطيين وجمهوريين توصياتها التي طال انتظارها والتي تحمل اسم «الطريق إلى الأمام» إلى الكونغرس الأميركي حول تغيير السياسة الأميركية في العراق الذي وصفت الوضع فيه بالمتهالك والمتدهور وتقترح فيها سحب القوات الأميركية من مسرح المعارك والتركيز على تدريب القوات العراقية،

وأوصت بالضغط على الحكومة العراقية لتحقيق أهداف محددة لتحسين الأمن وإلا ستتعرض إلى تقليص الدعم الاقتصادي والعسكري لها، فضلاً عن حضها الإدارة الأميركية على أن تشرك إيران وسوريا «بصورة بناءة» للمساعدة في تسوية الأزمة.. ورد الرئيس الأميركي جورج بوش على التقرير بوصفه بـ «التقييم القاسي»، لكنه وعد بـ «بشكل جدي للغاية» في تغيير كبير لموقف المعلن أنه ليس ملزماً بتطبيق التوصيات.

وفيما لم يصل التقرير، الذي يتضمن 79 توصية، إلى حد التوصية بوضع جدول زمني لسحب القوات من العراق، أكد على ضرورة تحمل العراقيين دورا عسكريا أكبر، إذ جاء فيه أن «المهمة الأولى للقوات الأميركية يجب أن تدور حول مساندة الجيش العراقي»، وهو يحذر من «الانزلاق نحو الفوضى» واصفة الوضع بأنه «خطير ومتدهور».

ولم توص اللجنة بأي موعد محدد للانسحاب بعدما ذكرت تقارير صحافية أميركية خلال الأيام السابقة أن اللجنة ستوصي بانسحاب يبدأ في العام 2007 وأن الوجود الأميركي في العراق لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. أما موعد 2008،

فلن يكون موعدا لانتهاء مهلة بل هدفا يرتبط تحقيقه بالوضع على الأرض. ودعت اللجنة إلى البدء في إخراج القوات المقاتلة من العراق، وطالبت وزارة الدفاع (البنتاغون) إلى سحب 15 لواء قتالي وألا تبقي في العراق أكثر من 70 ألف رجل يشكلون خصوصا قوة للرد السريع ومدربين وخبراء لوجستيين.

ويتضمن التقرير كذلك توصية «بزيادة عديد القوات (التي تعمل على تدريب القوات العراقية) بأسرع وقت ممكن». ومن بين المقترحات النصح بمعاقبة الحكومة العراقية إذا لم تحقق تقدما في إحلال الأمن في العراق، فهي توصي بأن تهدد واشنطن الحكومة العراقية بوقف المعونات الاقتصادية والعسكرية عنها إذا أخفقت في إحلال الأمن. وقالت إن حكومة نوري المالكي ينبغي ان تظهر لشعبها وكذلك للولايات المتحدة وبقية العالم أنها «تستحق استمرار الدعم».

وأوصت اللجنة، ضمن تقريرها غير الملزم للإدارة الأميركية، بألا تقدم الولايات المتحدة التزاما مفتوحا بلا أجل محدد بالإبقاء على قوة كبيرة في العراق. كما يقترح التقرير فتح محادثات بين الإدارة الأميركية وإيران وسوريا حول طرق إنهاء العنف في العراق، كما يدعو إلى عقد مؤتمر إقليمي تشارك فيه الدول المجاورة للعراق.

وحذرت من أن العراق يمكن أن «ينزلق إلى الفوضى» إذا زاد سوء الوضع هناك. وقالت إنه «يمكن أن تكون العواقب وخيمة. يمكن أن يؤدي الانزلاق تجاه الفوضى إلى انهيار حكومة العراق وكارثة إنسانية. قد تتدخل الدول المجاورة .. ويمكن ان تحقق شبكة القاعدة انتصارا دعائيا».

وكانت إدارة الرئيس جورج بوش رفضت هذه المقترحات في السابق خلال الأسبوعين الماضيين اللذين شهدا الكثير من التسريبات حيال التقرير الذي أشارت التسريبات السابقة منه أشارت إلى أن اللجنة ستدعو إلى سحب معظم القوات الأميركية القتالية من العراق بحلول العام 2007 على أن تركز القوات المتبقية على تدريب ودعم قوات الأمن العراقية.

من جانبه، قال الرئيس الأميركي في خطاب متلفز قصير، بعد لقائه أعضاء اللجنة العشرية لمدة نصف ساعة، أن إدارته «ستأخذ الأمر بشكل جدي وستتصرف بالشكل المناسب في الوقت المناسب». ووصف تقرير بيكر - هاميلتون بأنه «يقدم تقييما قاسيا للغاية للوضع في العراق.. انه تقرير يحمل بعض المقترحات المهمة بحق وسنتعاطى مع كل من المقترحات بجدية شديدة».

وتابع القول إنه «في موضوع الحرب والسلام من الأفضل أن نعمل سوية»، وأضاف أنه «بإمكاننا أن نحقق سلاماً طويل الأمد وذلك يتطلب جهداً كبيراً وإستراتيجية فعالة». وقال: «لقد أخبرتهم (أعضاء اللجنة) أن التقرير الذي هو، الطريق إلى الأمام في العراق، سنأخذه بجدية بالغة مثل غيره من التقارير والتوصيات الأخرى».

وقال: «إن التقرير يوفر فرصة لنعمل سوية (الكونغرس والإدارة)». وأشار إلى أن الولايات المتحدة والشعب الأميركي مستاءون ومتعبون من الجدل السياسي بين السلطتين التشريعية التي أصبح الديمقراطيون يسيطرون عليه وبين البيت الأبيض الذي يسيطر عليه الجمهوريون. وقال: «إن التقرير يوفر لنا الفرصة لإيجاد أرضية مشتركة». بين الجهتين. وقال إن التقرير يوفر فرصة للتحرك إلى الأمام.

ودعا الرئيس بوش الكونغرس الديمقراطي إلى أن يأخذ التقرير بجدية أيضاً. وفي تلميح إلى عدم الضرور بأخذ ما جاء في التقرير وتطبيقه فقال: «ربما لا نتفق على كل ما جاء في التقرير أو مع كل عرض يقدم. لكننا سندرس كل عرض بجدية».

وأعلن البيت الأبيض أن الرئيس بوش سيناقش تقرير اللجنة مع حليفه الوحيد في الحرب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير خلال اجتماعهما في البيت الأبيض اليوم (الخميس)، كما أعلن البيت الأبيض أن الرئيس سيناقش توصيات التقرير مع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في مكالمة عبر دائرة تلفزيونية في وقت لاحق.

وكان بوش أكد مسبقا انه ليس ملزما تطبيق توصيات المجموعة مذكرا بأنه طلب دراسات أخرى حول العراق من وزارة الدفاع ومجلس الأمن القومي. لكن هزيمته الانتخابية في نوفمبر يفترض أن تدفعه إلى أن يأخذ في الاعتبار هذا التقرير. وقال البيت الأبيض إن قرارا رئاسيا حول السياسة في العراق يتوقع أن يتخذ في الأسابيع المقبلة. ومن المقرر أن يمثل بيكر وهاميلتون يوم الخميس أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ.

ورغم مرور ثلاث سنوات ونصف على الغزو الأميركي للعراق في مارس العام 2003 لايزال في العراق 140 ألف جندي أميركي يتصدون لمقاتلين ويحاولون وقف الصراع الطائفي الدموي، واستمرت المهمة الاميركية في العراق أطول من الفترة التي شاركت فيها الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية، وأدت حتى الآن إلى مقتل أكثر من 2900 جندي.

لجنة العشرة

يرأس المجموعة وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر والبرلماني الديمقراطي السابق لي هاملتون. وهي تضم العضو السابقة في المحكمة العليا ساندرا داي اوكونور، ووزير الخارجية الأسبق لورنس ايغلبيرغر، وفيرنون جوردان حليف الرئيس السابق بيل كلينتون، والمدعي العام السابق ادوين ميس، وكبير موظفي البيت الابيض السابق ليو بانيتا، ووزير الدفاع الأسبق وليام بيري والعضوين السابقين في مجلس الشيوخ تشارلوز روب وآلان سيبمسون.

بوش وبيكر تدارسا التقرير على مائدة غداء

قال البيت الأبيض إن الرئيس جورج بوش اطلع يوم الثلاثاء على الخطوط العريضة لتقرير مجموعة الدراسات. وصرح الناطق باسم الرئاسة الأميركية توني سنو للصحافيين، بأن بيكر اطلع بوش في البيت الأبيض على «توجه» مجموعة الدراسات حول العراق، لكنه دعا إلى عدم الإفراط في التكهنات بشأن التقرير الذي قال إنه لا يقدم «وصفة سحرية»، مذكرا بأن تقييما آخر للوضع في العراق يجري حاليا.

وتناول بوش الغداء مع وزير الخارجية الأسبق الذي شارك في رئاسة مجموعة دراسة العراق التي قضت ستة أشهر في دراسة حرب العراق وإعداد توصيات بشأن ما ينبغي عمله بشأنها، وقالت مصادر البيت الأبيض ان الرجلين اجريا محادثات خاصة على الغداء استمرت نحو ساعة في غرفة الطعام الخاصة المجاورة للمكتب البيضاوي.

وقبل ذلك بفترة وجيزة التقى بوش وبيكر في المكتب البيضاوي مع كبار مسؤولي فريق الأمن القومي. ومن جانبه، أكد سنو على أنه ليس هناك ما يدل على خلافات بين البيت الأبيض ومجموعة الدراسات حول العراق. وقال إن المجموعة «ليست تمردا بل لجنة شكلت لدراسة المشكلة».

وأكد سنو على أن التقرير «يستحق نظرة معمقة... وننظر إليه كجهد يساعد الإدارة وسنتسلمه بهذه الروح وسندرسه بدقة»، وحذر من انه لا يتضمن «وصفة سحرية» لإنهاء النزاع في العراق. وقال: «لم نقل يوما ان العراقيين يجب ألا يتعاملوا مع جيرانهم، بل بالعكس قلنا انه أمر طبيعي ونتوقع منهم أن يفعلوا ذلك بالتأكيد».

وأضاف «إنها فكرة جيدة أن يعمل العراقيون مع جيرانهم حول مسائل أمنية إقليمية»، مؤكدا أن الحكومة العراقية «ليست بحاجة لموافقتنا، إنها حكومة تتمتع بالسيادة».

واشنطن ـ محمد صادق والوكالات